سوق العمل في سورية أصبح مختلفاً إختلاقاً كلياً عما كان عليه قبل 10 سنوات، فقد بات جلياً إنجذاب الإناث لمهن كانت حتى وقتٍ قريب حكراً على الرجال، إما شغفاً بها، أو لقسوة الظروف عليهن، حيث إرتفعت نسبة عمالة النساء في سوق العمل السورية إلى أكثر من ٨٠ بالمئة.
هذا التوجه للنساء نحو أعمال ذكورية لاقى استهجاناً من البعض و استحسان البعض الآخر في المجتمع .
وفي ظل ظروف الحرب على سوريا، وما رافقها خلال السنوات العشرة، فقدت العديد من العائلات معيلها الرجل، ما أدى إلى انطلاق النساء للعب دور المعيل، حتى لو كان عملهن في مهن لم تأطأها الكثير من النساء من قبل ، محافظة طرطوس واحدة من المحافظات السورية التي إكتظت شوارعها بالنساء في غياب الرجل منهم أرامل شهداء و جرى و زوجات و اخوات المفقودين.
قالت "ريم" البالغة من العمر 24 سنة و هي زوجة شهيد و أم لثلاثة أطفال لوكالة "أنباء آسيا" إنها لم تكن مخيرة في التحاقها بسوق العمل، و إنما مجبرة لإعالة أطفالها، حيث تبيع الخضار على عربة متنقلة، و قد كانت تشعر بالإحراج في بادئ الأمر، لكن تأمين مستلزمات العائلة جعلها تتغلب على العديد من المعوقات .
كذلك "رهف" البالغة من العمر ٢٧ عاماً، و التي فقدت زوجها غرقاً أثناء رحلة لجوئه إلى إحدى الدول الأوروبية تعبر عن أن "ضيق الحال أجبرني على فتح محل زوجي مجدداً، والعمل في صيانة الكهربائيات لإعالة عائلتي المؤلفة من طفلين مع وجود أبي وأمي". لاقت رهف إقبالاً كبيراً من الزبائن، لإتقانها الصيانة و جدّيتها في العمل. انتقادات و لكن .. رغم قساوة الانتقادات ،لكنها لم تؤثر على عزيمة "رؤى" سائقة الشاحنة في ريف اللاذقية، و التي ترى أنه لافرق بين الجنسين في العمل، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، و أنه يجب التغاضي عن هذه الفروقات .
و يؤكد مركز دمشق للأبحاث والدراسات في دراسة حملت عنوان "تداعيات الحرب على واقع المرأة السورية" أن نسبة الذكور من وفيات الحرب السورية بلغت نحو ٨٢ %، مما زاد من عبء المرأة و حجم مسؤوليتها ، كذلك، فإن التراجع ا لكبير في سعر صرف الليرة على مدار سنوات الحرب، كان في كل مرة يترافق مع موجة ارتفاع في أسعار معظم المواد الأساسية، في ظل مراوحة في المكان لمتوسط رواتب وأجور العاملين في القطاع العام والخاص، في حين تحتاج العائلة أكثر من 300 ألف ليرة للعيش بالحد الأدنى، و هذا أيضا سبب لاقتحامها الأعمال الشاقة.
محمد عثمان، الباحث في علم الاجتماع، رأى أن المجتمع ينظر للمرأة على أنها كائن رقيق ذي بنية ضعيفة لا تتناسب معها المهن الصعبة التي يتحملها الرجل،لكن النظرة تغيرت لصالح المرأة بعد إثباتهن جدارتهن في أغلب المهن.
كانت الأرقام الرسمية تشير إلى أن عمالة النساء في سوريا لا تشكل أكثر من 16 في المائة من قوة العمل السورية، وأن نسبة البطالة وصلت بين الإناث إلى نحو 11.1 في المائة عام 1994، وارتفعت إلى الضعف تقريباً بين عامي 2004 و2009. أما لدى الذكور، فقد كانت النسبة 6.3 في المائة، وارتفعت إلى نحو 10.5 في المائة خلال الفترة نفسها؛ لكن الأرقام خلال السنوات الخمس الماضية فإنها ترجح تغيراً كبيراً لمصلحة النساء، بعدما أصبحت قطاعات كثيرة تطلب عاملات لسد الثغرات جراء ندرة العاملين من الرجال والشباب.
