المكان: دمشق
الزمان: أمس الثامن من آذار من عام 2021
في يوم المرأة العالمي، تجلس أم علي العجوز السبعينية بمحاذاة الرصيف تبيع الجبنة البلدية والزبدة والسمنة من على بسطة صغيرة زاحمها رجال الحيّ عليها وظفرت بنيلها بشق الأنفس، تقف أمامها وصال تشتري نصف الكمية المعتادة من الجبن، فالشركة التي تعمل بها الآن تعطيها مرتباً يساوي نصف مرتب زملائها من الرجال، وتبرر الشركة ذلك بأن الأخير لديه التزامات أكثر.
في الشعبة الثانية للصف الرابع، تقف المعلمة فاطمة تشرح للطلاب درساً عن حقوق المرأة، في المقعد الأول تجلس الطالبة فرح تصغي باهتمام، تحفظ ما تيسر لها من الكلمات لتحاجج بها زميلها الذي قال لها أن "البنات ما بيعرفوا يلعبوا طابة".
أما أم خالد، فمنذ أيام سبقت يوم المرأة العالمي، تجلس القرفصاء أمام باب مشفى الأطفال بدمشق، لفظتها المشفى ولفظها الرصيف كذلك، فلا نساء ينمن على الأرصفة هنا. عيب! في المبنى المقابل لمشفى الأطفال، يسعف الأطباء في مشفى المواساة نور، إثر حادث سيارة تعرضت له على بعد شارعين، يساعدها الممرض وهو يتمتم "ناقصنا النسوان تسوق سيارات، ما بتعرفوا تسوقوا إجباري رح تعملوا حوادث".
ومنذ مطلع شمس اليوم أيضاً، تجلس انتصار على كرسي شاغر في العيادة النسائية، تتحسس بطنها كل ثلاث دقائق فيما تتخيل جنيناً يتحرك بداخله، لم تفقد الأمل أبداً حتى بعد أن أخبرتها الطبيبة أن تعرضها لصدمة نفسية كبيرة إثر سقوط قذيفة في منزلها قد يحرمها من الإنجاب مدى الحياة. أما الطبيبة في العيادة فقد انشغلت بتحديد موعد عملية إجهاض لمريضة سابقة تعرضت لاغتصاب وحشي ودفعها أهلها لإجهاض الطفل "خوفاً من الفضيحة".
آلاء، الفتاة ذات الـ 14 سنة، فتقف مطولاً أمام المرآة، تتأمل فستانها الأبيض الذي سترتديه مساء اليوم في حفلة زفافها، فهي الوحيدة من بين بنات خالاتها "العوانس" التي ظفرت بـ "عريس" في زمن لم يعد يوجد فيه "عرسان"، كما تقول والدتها.
أما نهى، فتوقفت عن عد الأيام منذ أن حبسها أهلها في المنزل وأجبروها على التوقف عن الذهاب للمدرسة، بعد أن ضبطوها متلبسة وهي تتكلم مع "شاب أزعر" كما وصفه أخوها، على عكس سميّة التي لم تكتفي بعدّ الأيام فقط، بل السيارات والمارّة ودراجات شرطة المرور فيما تبيع المحارم الورقية بجانب إشارة مرورية وسط العاصمة السورية.
"لابسة كعب مفكرة حالك حلوة يعني" همسها الشاب بأذن مي فيما تسير بخطى غير ثابتة في شارع الحمرا بدمشق، يلاحقها أنواع مختلفة من التحرش بدءاً من عملها الذي يتطلب "كعباً عالياً" بحسب تعليمات مديرها، وليس انتهاءَ بطريقها الطويل للوصول إلى منزلها سيراً على الأقدام، بعد أن امتنعت عن الركوب بوسائل النقل العامة خوفاً من التحرش.
في يوم المرأة العالمي، تناضل النساء في جميع دول العالم لنيل حقوقهن، يطالبن بالحرية، العدالة، المساواة. لكن في دمشق لا داع للمطالبة بكل ذلك، فهذه الحقوق موجودة أصلاً! ها هنّ النساء يقفن بجانب الرجال يكابدون سوياً مرارة الفقر والبطالة والجوع والبؤس، كلاهما محروم من أبسط الحقوق، فرصهما لا تعتمد على نوع جنسهم، بل على "الواسطة" وشروط أخرى، كلاهما عاطل عن العمل، يوجد تكافؤ في الحرمان والفاقة والظلم، النساء والرجال على حد سواء عاجزون عن عيش حياة تشبه الحياة! اليوم، انتهت كافة أشكال التمييز ضد المرأة؛ وبدأت كافة أشكال التمييز ضد الإنسان، وضد الحياة!

