"رمضان هذا العام لا يشبه أي رمضان سابق"، عبارة اعتاد كثر من سكان المنطقة العربية بأحوالها الاقتصادية المتراجعة ترديدها كل سنة، وهم يأسفون لما آلت إليه أحوالهم في الشهر المحبب إلى قلوبهم.
لكن هذا العام يبدو بالفعل مختلفاً في كل من سوريا ولبنان بشكل خاص، وهما البلدان اللذان عاشا خلال الأشهر الأخيرة انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، فتراجعت قيمة عملتيهما، وارتفعت الأسعار، وبات من الصعب على عائلات كثيرة تدبر أمور معيشتها والحفاظ على ذات المستوى الذي اعتادت الحياة به. فكيف إن كنا نتحدث عن رمضان، شهر المأكولات والمآدب وأصناف الطعام والحلويات المختلفة التي اشتهر بها هذان البلدان، ولا تكتمل طقوس الاحتفاء به من دونها؟
نكتفي بالحلويات البسيطة
وسط شارع الجزماتية في حي الميدان في دمشق، وهو المنطقة الأكثر شهرة ببيع الحلويات في المدينة، تشهد الدراجة الهوائية التي يبيع عليها أبو علاء قطعاً من الحلويات ازدحاماً، في حين يمتلئ الشارع بالمتسوقين مع اقتراب ساعة الإفطار. ينادي الرجل الأربعيني على بضاعته المكوّنة من "الوربات"، وهي عجين هش وقشطة وقطر وسعر القطعة منها 500 ليرة (15 سنتاً)، و"العثمنلية" المصنوعة من الشعيرية الخشنة والقشطة والقطر، وسعر القطعة منها 1000 ليرة (30 سنتاً).
يقف أبو بدوي، وهو رجل خمسيني، بجانب الدراجة، ويطلب ثلاث "وربات". يقول إنها النوع الوحيد من الحلويات الذي يستطيع اليوم شراءه لعائلته الصغيرة، ليُدخل "فرحة رمضان" إلى قلوبهم. "العام الماضي كنّا نشتري الحلويات البسيطة من المحلات، مثل الهريسة أو النمورة، أما اليوم، فلا أجرؤ على دخول أي محل والسؤال عن الأسعار"، يضيف لرصيف22 شارحاً عن حاله، وهو اليوم موظف حكومي.
وتُعتبر الهريسة والنمورة من أرخص أنواع الحلويات الرمضانية، فهي مكونة من عجين وقشطة وقطر، ولا يتجاوز سعر الكيلوغرام منها 10 آلاف ليرة (حوالي 3 دولارات)، لكنه مبلغ باهظ مقارنة مع متوسط الرواتب في سوريا الذي لا يزيد عن 30 دولاراً.
لأنه يبيع بعضاً من أرخص أصناف الحلويات، يقول أبو علاء إن عدد زبائنه هذا العام ازداد نسبياً نتيجة عزوف كثيرين عن شراء الحلويات الفاخرة. ورغم أن أسعاره تضاعفت عن العام الفائت، دون زيادة ملحوظة في متوسط الدخل في سوريا، تبقى دراجته التي يضع عليها بكل إتقان طبقين معدنيين كبيرين مقصداً لعشرات المارة كل يوم. "الحمد لله لم أعد يوماً إلى منزلي إلا وقد بعت كل ما أحمله، وبالطبع لا أنسى حصة عائلتي وأولادي الستة من هذه الحلويات الشهية كل يوم".
لم يعد الناعم "ناعماً"
يعلو صوت أبو نبيل، البائع الأربعيني، في سوق باب سريجة الشعبي وسط دمشق. "قرّب عالناعم يا ناعم"، "يلا عالناعم"، ينادي على بضاعته الرمضانية التي اعتاد بيعها كل عام، وهي أرغفة "الناعم" التي تُعتبر من أكثر حلويات رمضان الدمشقية شعبية وأقلها تكلفة.
مع ذلك، يشتكي الرجل من انخفاض المبيعات نسبياً مقارنة بالسنة الماضية. يقول بحسرة: "مكونات الناعم بسيطة وهي طحين وماء ودبس، لكن المشكلة في أنه عجينة تقلى بالزيت، وسعر الزيت تضاعف بين رمضان الماضي واليوم". بذلك، رفع أبو نبيل سعر كيس الناعم الذي يحتوي ثلاثة أرغفة كبيرة من 1500 ليرة الموسم الفائت إلى ثلاثة آلاف (دولار واحد).
قد يبدو المبلغ بسيطاً، لكنه ليس كذلك بالنسبة لأم ربيع، السيدة الخمسينية التي تعيش في حي باب الجابية المجاور مع أولادها الثلاثة، بعد وفاة زوجها ونزوحهم من غوطة دمشق الشرقية منذ سبع سنوات.
"إذا أردنا أن نتحلى كل يوم على سفرة رمضان، فذلك يعني على الأقل 90 ألف ليرة فقط كي نشتري كيساً من الناعم، أو قطعتين من المعروك (عجينة تُحشى بالتمر أو السكر أو الزبيب)"، تقول وهي تسير في السوق باحثة عن بعض ما يلزمها بأقل أسعار ممكنة، ومحاولة التأكد كما تفعل كل يوم إنْ كانت أسعار الحلويات انخفضت، ولو قليلاً.
"الناعم لم يعد ناعماً، ورمضان بات صعباً وثقيلاً للغاية"، تضيف بنبرة حزينة.
الأكل قبل الحلويات
رغم "الحركة القليلة" غير المألوفة في شهر رمضان، لا يفكر باعة الحلويات في أسواق دمشق بالتوقف عن العمل يوماً واحداً، بل يكيّفون قوائم منتجاتهم وأسعارها مع الظروف الاقتصادية المتغيرة في البلد الذي دخل عامه الحادي عشر من الحرب.
في أحد المحال الشعبية في سوق الجزماتية، ينشغل أبو محمد بتوضيب أطباق كبيرة تحتوي على الحلويات الدمشقية الأشهر: النمورة والهريسة والوربات والشعيبيات والقطائف، لكن عدد الأطباق هذا العام هو الأقل مذ بدأت الحرب. يقول لرصيف22: "العام الماضي كنا نصنع يومياً عشر صوانٍ من النمورة، وهي من الحلويات الأقل سعراً وبالتالي الأكثر طلباً، وهذا العام لا تتجاوز مبيعاتنا اليومية أربع صوانٍ، ويمكن القياس على ذلك بالنسبة لباقي الأنواع".
في الجوار، يقف أبو عماد منتظراً دخول أي زبون إلى محله الصغير المتخصص ببيع القطائف والنمورة. يشير إلى أن "حركة البيع" كانت مقبولة في الأيام الأولى من رمضان، لكنها انخفضت بشكل ملحوظ في ما بعد، ويردّ الأمر إلى أن الناس كانوا فرحين بقدوم الشهر وأرادوا الاحتفاء بالأمر، لكن للأحوال الاقتصادية كلمتها العليا: "الناس ما بدها تشتري حلو، الناس بدها تاكل"، يقول متأسفاً، ويشرح أن أقل سعر يمكن دفعه لقاء كيلوغرام واحد من الحلويات هو 10 آلاف ليرة سورية (3 دولارات)، ما يعادل خُمس راتب كثيرين من موظفي القطاع العام.
"كيف لنا أن نبيع بأقل من ذلك إذا كان سعر كيلو الفستق يتجاوز سبعين ألف ليرة (23 دولاراً)؟"، يقول بائع في محل ثالث مجاور، متخصص ببيع الحلويات الشرقية الفاخرة، وينوه إلى أن أرباح أي صانع حلويات، كما هو الحال بالنسبة إلى كل المهن الأخرى، انخفضت بشكل هائل خلال الأعوام العشرة الفائتة. "كنّا قبل الحرب نشتري كيلو الفستق بألف ليرة، ونبيع كيلو الحلويات الشرقية بألف. اليوم نشتري الفستق بـ75 ألفاً، ونبيع الحلويات بـ45 ألفاً. حتى متى سنتمكن من تحمّل هذه الأعباء؟".
يقطع الحديث رجل يسأل بخجل عن أسعار عدة أنواع من الحلويات. يتنهد البائع ويقرر تخفضيها قليلاً، ويقول: "هو شهر كريم، ولا مهرب من أن نكون رحماء مع بعضنا البعض".
زينة شهلا – رصيف 22

