"لا نملك شيئاً لنخسره"، جملة تختصر واقع شريحة كبيرة من السوريين في الأشهر الأخيرة، ففي معرض سيرنا نحو مستقبل مجهول الأفق والحلول، يحاول من يملك بعض الأصول والممتلكات أو أي نوع من المدخرات التصرف بها قدر المستطاع للصمود في وجه أزمة البطالة والفقر والتضخم.
فبعد أن قضت الأزمة المالية على رواتب السوريين التي أصبحت اليوم عبارة عن جرة غاز وصفيحة بنزين، تغيّرت أولويات المواطنين، وصبّت كلّ اهتماماتهم على سبل تأمين الطعام والشراب والمسكن.
ووبالتزامن مع الارتفاع الكبير لتكاليف ومستلزمات السيارات، أصبح بيعها هو الخيار الأول لمن يقتنيها، يليها بيع البيوت مقابل الاستئجار في منطقة أقل مستوى خدمي، والاستفادة من فارق السعر.
فيما اتجه البعض ممن يملكون منازل وسط العاصمة لبيعها مقابل الشراء في الضواحي والمناطق الشعبية، إذ يمكّن فرق السعر أحياناً من شراء منزلين في منطقة مخالفة بدلاً من مسكن وسط المدينة، الأمر الذي سيتسبب بمشاكل عقارية على المدى البعيد وفقاً لعضو مجلس الشعب “زهير تيناوي” الذي بيّن أن اضطرار المواطنين لبيع ممتلكاتهم سيفضي لحالة من الركود في الأسواق مستقبلاً نتيجة عدم توفر السيولة.
تيناوي أكد لصحيفة "البعث" المحلية أن نحو 30 – 40% من المواطنين اتجهوا لبيع الأصول والممتلكات، إما لتحسين “مؤقت” للحالة المعيشية، أو لتأمين سكن بديل بمواصفات أقل جودة، فالظروف الضاغطة والتضخم المتزايد جعلا أولوية المواطن لتأمين أبسط المقومات، وإيجاد أي مسكن متواضع “ينستر فيه”، مقابل ارتفاع فاحش بأسعار العقارات بكل المناطق، سواء كانت شعبية أو متوسطة أو جيدة، ومهما كان نوع المسكن: (ادخار، شبابي، جمعيات)، فكلها واكبت التضخم بأسعارها لتصبح بعيدة المنال يوماً بعد آخر.
وأضاف “تيناوي” بأنه مهما كانت القيم التي يحاول أي شخص تأمينها لتوفير مسكنه، يقابلها ارتفاع أسرع وأكبر نتيجة تزايد سعر المواد الأولية الأساسية كالإسمنت والحديد، ووزارة الإسكان التي يفترض أنها معنية بالحل ساهمت بارتفاع أسعار العقارات عن طريق طرح أراض للجمعيات السكنية بسعر عال جداً، فلم تعد تلك الأراضي والأبنية التي ستنشئها الجمعيات عبارة عن مساكن شعبية لذوي الدخل المحدود، لأنهم حتى لو باعوا كل ممتلكاتهم ومقتنياتهم لن يتمكنوا من مجاراة الزيادة الكبيرة التي طلبتها.
حتى في السكن الشبابي، أشار “تيناوي” إلى إجحاف كبير وقع على المواطن، لأن التسجيل على هذا المشروع كان في عام 2004، على أن يكون التسليم خلال 10 سنوات، فما ذنب المواطن إن لم ينجح القائمون على المشروع بالتسليم خلال 20 سنة، ليتحمّل هو المسؤولية وفرق الأسعار، معتبراً أننا أمام مشاكل عقارية لا تسر على المدى المنظور والبعيد، فيما يمكن أن يؤسّس لحل عبر إيجاد سكن بديل شعبي متوازن وبسعر الكلفة وليس بهدف ربحي.
معظم السيولة التي كانت موجودة لدى المواطنين ضخت في العقارات، وفقاً لـ “تيناوي”، حتى بيع المدخرات والممتلكات يأتي بمعظمه إما لتأمين مستلزمات المعيشة أو لتزج بالعقارات التي تفوقت على التوجه لادخار الذهب الخاضع لبورصة تذبذب سعره، أو شراء القطع الأجنبي الذي أصبح سوقه مضبوطاً إلى حد كبير.
وتزداد الأوضاع المعيشية في سوريا سوءا يوما بعد يوم، حيث ارتفع متوسط تكاليف المعيشة في سوريا خلال الشهر الجاري إلى أكثر من 3 ملايين ليرة سورية لعائلة مكونة من خمسة أفراد، ووصلت نسبة الارتفاع مقارنةً بآذار الماضي إلى أكثر من خمسة في المئة.
صحيفة "قاسيون" ذكرت في دراسة أجرتها مؤخراً أنه "في منتصف 2022، وقبيل استعداد السوريين لاستقبال عيد الأضحى، تجاوز وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، وفقا لمؤشر الصحيفة المحلية حاجز الثلاثة ملايين ليرة سورية (والحد الأدنى 1,881,858ليرة سورية).
ليتضح مجددا حجم الهوة الهائلة التي تفصل الحد الأدنى للأجر في البلاد (والذي لا يتجاوز 92.970 ليرة سورية)، عن وسطي تكاليف المعيشة الآخذة بالارتفاع بشكلٍ متواصل.
وتجاوز وسطي تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد في بداية نيسان/أبريل الماضي حاجز 2.8 مليون ليرة سورية.
