يبلغ عدد المصارف العاملة في سوريا حالياً ستة مصارف عامة، برأس ما لا يتجاوز 10 مليار ليرة سورية لبعضها وهو أقل من ثمن شقة، وبالتالي من ينظر إليها يستنتج أنها لا تعمل وفق رؤية مصرفية عالمية، بل بعقلية أشبه بعقلية الدكانة، وهنا يبرز السؤال عن مدى استمراريتها بهذه العقلية، وضرورة إعادة هيكلتها ودمجها!
ومما لاشك فيه أن المصرف المركزي المرتبط مع نظام سويفت العالمي، وبعد إزالته عن النظام بسبب العقوبات الاقتصادية، أصبح يبحث عن مصارف وسيطة وسماسرة ومصرفيين للالتفاف على تمويل المستوردات، ودفع تكاليف كبيرة من أجل الاستيراد تعادل أكثر من 40 % زيادة من ثمن البضائع، وهذا معروف للجميع، واليوم مع رفع العقوبات عن المصرف المركزي المتوقعة قريبا، وإعادة المصارف السورية إلى شبكة المراسلين المصرفيين والبنوك حول العالم، سيعود إلى طبيعة عمله السابقة، وهو يحتاج إلى بعض التحديثات في العمل المصرفي للنهوض، ولا شك بأنه سينهض كونه الخيار الوحيد أمامه.
مشاكل المصارف:
وأما بالنسبة للمصارف وفي مقدمتها المصرف التجاري السوري وهو من أقدم المصارف السورية حيث كان يستحوذ على 70 بالمئة من العمل التجاري المصرفي، مقابل معاناة كبيرة في النظام المصرفي المتبع، والعقوبات المفروضة عليه، وحرمانه من الصرافات الحديثة، ونظام المدفوعات، والدفع الالكتروني، ومن رأس ماله أيضا، وغيرها من الصعوبات، فإن رفع العقوبات عنه من المفترض أن يعود للنهوض بشبكة علاقاته المصرفية الخارجية، وأن يقود التجارة في المرحلة المقبلة بالاضافة إلى المصارف الخاصة الأخرى ولكن يبقى السؤال هل هو مؤهل أم يحتاج إلى إعادة هيكلة وخبرات مصرفية نوعية.
وأما المصرف الزراعي التعاوني فله نظام عمل خاص، وهو المتخصص بأوسع شريحة، ومن أكبر المصارف التي تقرض الفلاحين، وتؤمن بعض المستلزمات الزراعية، بأكثر من 107 فرع في سوريا، واستمراره ضروري من أجل قيادة العملية الانتاجية الزراعية، ويجب العمل على النهوض بعمله، والحفاظ على هذه الشريحة الكبرى من المتعاملين معه، لكن عند العودة إلى رأس مال المصرف يأتيك العجب، أمام هذا التضخم الموجود والأعباء الكبيرة الملقاة عليه، وكيف يمكن توسيع أعماله إلى مستويات المصارف التنموية في المنطقة ولا يملك أدوات تقنية ولا نظام مصرفي متطور ومقيد بتعاميم وقرارات لا تراعي خصوصيته في العمل المصرفي وضرورة العمل التنموي.
بينما المصرف العقاري المتخصص بقروض السكن والتي توقفت خلال الأزمة، فقد عجز عن ابداع منتجات مصرفية متنوعة تكون كفيلة بالنهوض بالعمل المصرفي، ويعاني من عقبات رأس المال، والتعاميم الصادرة من المركزي الذي تقيد عمله مع المصارف العامة الأخرى، وغياب هامش الحرية للعمل الإبداعي المصرفي كما هو الحال في المصارف الخاصة الأخرى، ودوره في المرحلة المقبلة غير مجدي إذا استمر العمل بعقلية البنك العقاري، وقروض الترميم والاكساء والشراء والفائدة المرتفعة .
وأما بالسبة للمصرف الصناعي الذي أكل بعض المستثمرين المعروفين أمواله قبل الأزمة بقروض مرتفعة عندما كان سعر الدولار 46 ليرة، وأحجموا عن التسديد، واليوم بعض القروض لا زالت متعثرة، فلا يزال يعاني من قلة السيولة، وبعيد عن قاطرة الإنتاج الصناعي، وفشل في الوصول إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، واليوم وضعه على طاولة التشريح ضروري جداً..
وأخيراً مصرف التوفير الذي كان يقدم خدمات التوفير ويستقطب بعض الأموال لتشغيلها بقروض فقد انتفت مهمته اليوم، ومصرف التسليف الذي كان يقدم القروض للعاملين في الدولة وغيرهم أيضا لا معنى لوجوده ، واليوم في ظل اقتصار أعمالهم على منتجات مصرفية أكل الزمن عليها وشرب ولا بد من التفكير في إعادة دمج هذه المصارف والتقليل من عدد المصارف على حساب النوع المصرفي المقدم.
أهمية الدمج:
وعليه فإن عملية دمج المصارف اليوم في إدارة جديدة والنهوض بها يفترض أن تكون دراستها جاهزة قبل سنوات، وأن يكون التنفيذ فورا، انتظار ودراسة ومراسلات وأخذ ورد، وعلى الحكومة أن تعترف أن المصارف هي التي تقود عملية إعادة الإعمار من خلال توزيع القروض واستقطاب رأس المال الخارجي، وتحويلات المغتربين وغيرها، والأهم من كل هذا معالجة القروض الوهمية التي سحبها أزلام النظام السابق، وإعادة ترتيب العلاقة المصرفية والمالية والتخلص من تداعيات القروض من روسيا وإيران التي تحمل في ظلها الكثير من الملفات وعلامات الاستفهام.
يذكر أن العديد من الجهات قدمت عروضاً لإعادة هيكلة النظام المصرفي والمالي في سوريا منها تركيا، واتحاد المصارف العربية الذي قال أنه سيعيد هيكلة هذا القطاع بالتعاون مع بعض البنوك الأوروبية.
طلال ماضي


