كان لافتاً أن يتوقف مندوب أحد الأجهزة الرقابية عند عدم وجود المصابيح القديمة التي تم استبدالها في أحد صالة عمليات مصرفية حكومية، أو محبرة الطابعة المستهلكة، للمصادقة على صرف قيمة ما تم شراؤه بحكم الحاجة..!!
وإن كنا لا نملك أن نلوم مفتش هنا وآخر هناك، فهو يقوم بمهمته بإخلاص، بالتأكيد من الضروري أن نتساءل عن الذهنية المتسببة بـ “تعريض” المصارف العامة لمثل هذه المواقف، لأننا باختصار نعطل عملها ونحكم عليها بالفشل، سيما وأنها لم تعد الوحيدة في السوق بل بات ينافسها أربعة عشر مصرفاً خاصاً والعدد قابل للزيادة.
صدوع ومتروكات..!؟
هل تعلم الحكومة، وإن علمت هل تصدّق أن معظم سيارات نقل الأموال “المصفحة” لدى المصارف متوقفة بسبب نفاد المبالغ المخصصة للإصلاح، ولا أحد يملك الموافقة على صرف نفقات إضافية، لأن التعليمات النافذة لا تسمح “500 ألف ليرة المبلغ المخصص سنوياً لكل سيارة لا يساوي ثمن أربع إطارات لمثل هذه السيارات”..؟.
وإن كانت حكومتنا مهتمة للشأن المصرفي– خلافاً لسابقاتها- كما بدا من المبادرات التي جرت، وليس أقلها الاجتماع الذي خصصه رئيس الحكومة لبحث مشكلات المصارف الحكومية، فلا بد أن تكون الفكرة قد اختمرت في أذهان أصحاب القرار، بأنه لم يعد من الحكمة الإبقاء على الآلية التقليدية في التعاطي مع القطاع المصرفي الحكومي لدينا، في زمن صعود “نجم” القطاع المصرفي على مستوى اقتصادات العالم، والتعاملات بالغة المرونة التي وصلت إلى تغذية البطاقات الائتمانية بأرصدة شبه مفتوحة باتصال هاتفي “البصمة الصوتية” من وراء البحار.
فمن الخطير أن يبقى قطاعنا المصرفي العام – ونحن على بوابات انطلاقة يجري الإعداد لها باتجاه أفق جديد – أسير النواظم والإجراءات الإدارية والمالية ذاتها التي نُخضع لها دوائر الأحوال المدنية مثلاً، أو مكتب طوارئ مياه – مع تقديرنا لأهمية كافة مفاصلنا التنفيذية- فللمؤسسات المصرفية خصوصيتها لأنها مؤسسات “نخبة اقتصادية”، وهذه الخصوصية مازالت غائبة عن أذهاننا وإن بقينا مصرّين على ذلك نكون قد قررنا تعطيل هذه المؤسسات عنوةً.
على مسؤولية الحكومة
الآن يجب أن تبادر الحكومة سريعاً إلى استدراك هذه المشكلة، بما أننا نصر على الإبقاء على مصارفنا الحكومية كمؤسسات عامة ملكيتها حكومية بالمطلق، وهذا ليس خطأ حتى ولو لم تعد المؤسسات المصرفية في معظم أو ربما كل دول العالم ملكاً للحكومات في بلدانها، بل للقطاع الخاص لما يتطلبه العمل المصرفي من مرونة.
ولا بأس أن تبقى مصارفنا حكومية لكن على أن تدار بعقلية القطاع الخاص، حتى في معدلات الرواتب والأجور، فلا يجوز أن يُؤتمن مدير عام مصرف حكومي عملاق على مئات المليارات وقادر على تحريكها بتوقيعه، ويبقى راتبه الشهري كأي راتب موظف فئة أولى في المصرف مع بعض التعويضات الهزيلة التي يُستحسن عدم ذكرها، فيما يصل الراتب الشهري لمدير مصرف خاص إلى حوالي 10 ملايين ليرة سورية…؟!!
الحل بهيئة إشراف مستقلّة
قد يكون الحل بالبدء مباشرة بإعداد نظام مالي وإداري خاص بالمصارف الحكومية، ولعل هذا يتطلب إحداث هيئة إشراف على المصارف وليكن رئيس مجلس إدارتها وزير، حتى لو كان وزير المالية، بدلاً من التبعية لشخص الوزير ومكتب متخصص ملحق به، وهذا غير موجود في أي بلد في العالم، أو إعادة صياغة هيكلية المؤسسات المصرفية على غرار ما جرى لمؤسسة الاتصالات ففي هذا خيار معقول، بل ربما الضرورة كانت في بدء التجربة بالمصارف الحكومية قبل “الاتصالات” لأن معظم إيرادات الأخيرة تأتيها من الجباية، فيما عائدات المصارف من التشغيل والعمليات المصرفية “أرباح المصرف التجاري السوري 18 مليار ليرة سورية في العام رغم الظروف والحصار”.
المهم أن تفعل الحكومة شيئاً ما في اتجاه إخراج مصارفها من عنق زجاجة الروتين الخانق وتطلقها للعمل، وستكون العائدات أضعاف أضعاف ما يتحصّل الآن.
لا أن تتهيب مقاربة هذا الملف ويكون اجتماعها الذي جرى مع القائمين على المؤسسات المصرفية الحكومية أول وآخر ما تفعله لإنعاش أهم “محركات” دافعة للتنمية، ونعتقد أن الملف أولوية متقدمة يجب ألا ندفع بها إلى ترتيب متأخر.
