بدءاً من تكدس الركاب فوق بعضهم، إلى القذارة والروائح القاتلة نتيجة الازدحام، وانتهاءً بالمعارك والمشادات اليومية ما بين السائقين والركاب في وسائل المواصلات، غالباً ما يبدأ يوم المواطن السوري المجبر على أن يستقل وسيلة نقل عامة بهذه الطريقة.
أزمة يومية خانقة حتى حدود المهانة، ولا شيء يشي بانفراجٍ نسبي يزيح عن السكان مرارة معاناتهم اليومية، حتى باعتراف الجهات الحكومية المعنية التي أرجأت حل مشاكل المواصلات العامة لحين انتهاء الحرب.
الميكرو باصات عملة نادرة!
لطالما شبه المواطن السوري الميكرو باص بالسراب اللامع وسط الصحراء، ومع اقترابه تظهر علامات خيبة الأمل على الشخص المنتظر طويلاً ليجده ممتلئاً، وفي حال وجد المحظوظ مقعداً خالياً فسيضطر للتنافس مع العشرات من المنتظرين أمثاله للظفر بهذا المقعد.
يقول علي (طالب جامعي) لـ "بزنس 2 بزنس": "بعض السائقين يتقاضون ضعف الأجرة بحجة أن الراكب قد يصعد قبل الموقف المخصص ولكنني لا أمانع دفع 3 أضعاف، فالمهم أن أجد مقعداً خالياً بعد ساعات الوقوف الطويلة تحت الشمس".
وأضاف علي: "حين يرفض بعض الركاب دفع الأجرة المضاعفة يقوم السائق بطردهم مع جملة "يلي مو عاجبو ينزل".
أما معارك الميكرو باص بين السائق والركاب فغالباً ما تتمحور حول العملات المهترئة أو عدم وجود "فراطة"، ولحل هذه المشكلة يقوم عدد من سائقي الباصات بإعطاء قطعة حلوى (بسكويت) للركاب بدلاً من أن يعيدوا لهم تتمة الأجرة.
التكسي لذوي الطبقة المخملية
لم يعد ذوي الدخل المحدود يتجرؤون على مجرد التلويح لسيارات التاكسي، والتي يستعرض سائقوها مهاراتهم في "إفراغ جيوب المواطن" دون حسيب أو رقيب.
وغالباً ما يستغل سائقي التاكسي المناسبات كالأعياد والعطل، ومؤخراً استغلال البعض لمعرض دمشق الدولي حيث تجاوزت أجرة التكسي 20 ألف ليرة من مدينة المعارض لقلب العاصمة دمشق!
الجهات المعنية كعادتها غير قادرة على ضبط الوضع، لذلك تلجأ للحل الأسهل: "نفي وجود المشكلة ووضع حلول لا تسمن ولا تغني من جوع، حيث نفى عضو المكتب التنفيذي لقطاع النقل في محافظة دمشق، هيثم ميداني، وجود أية دراسة لإجراء تعديل على تعرفة سيارات التكسي “العدادات”، مبيناً أن تعديل الأجرة مرتبط بوجود طارئ أو عوامل تؤدي إلى تعديلها، فتعرفة ركوب سيارات التكسي تم إصدارها بموجب القرار رقم 62 في عام 2016 ومنذ ذلك التاريخ لم يطرأ أي تعديل على بنود التعرفة.
وعن التجاوزات المادية والسلوكية التي يرتكبها السائقون أشار ميداني إلى أنه «بإمكان المواطنين الإبلاغ عن أي مخالفة ويتولى فرع المرور متابعة ومعالجة أي شكاوى واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم».
لكن لم تعد القرارات المرورية المتعلقة بالمواصلات العامة والخاصة تعني المواطن السوري، لأن سائقي التكسي لا يتقيدون بلوائح الأجور، أو العدادات المثبتة على سيارتهم، ويتعاملون مع زبائنهم بمزاجية دون حسيب أو رقيب.
باصات النقل العام ترفع نسب السرقة والتحرش
يتسبب تكديس سائقي باصات خطوط النقل العام لأعداد هائلة من المواطنين بارتفاع نسب التحرش والسرقة التي لا يكاد يخلو منها باص من تلك الباصات.
وتقول نور (موظفة) لـ "بزنس 2 بزنس": "تعرضت للسرقة مرتين في أحد الباصات ولم أنتبه لأنني كنت واقفة والباص ممتلئ".
ويسعى سائقي الباصات الكبيرة التي يخضع نظام تشغيلها لأسلوب التعهيد بحسب النسبة، أي نسبة عدد البطاقات المباعة وليس وفق أجرٍ يومي أو شهري محدّد، لتكديس الركاب فوق بعضهم لتحقيق نسبة أعلى من المدخول العام، وجمع أرباح أكبر.
وسائل نقل جديدة!
ظهرت وسائل نقل ركاب جديدة من وحي معاناة الازدحام الخانق على مواصلات المدن الكبرى، منها السيارات الصغيرة "سوزوكي، هونداي" وانتشار الدراجات النارية، ودفع الاكتظاظ الهائل البعض للبحث عن بدائل كالمشي على الأقدام إذا كانت المسافة مقبولة، إلا أن المشكلة لم تحل مع المسافات الطويلة، فتم ابتكار وسائل نقل كالباكسي والتكسي سرفيس وغيرها من الوسائل التي يفترض أن تخفف من الازدحام، إلا أن كل ذلك لم يجدي نفعاً لا سيما خلال ساعات الذروة.
وغدت العاصمة مجرد كراج سيارات كبير، إذ يتطلب الوصول لأي مكان في دمشق كان سابقاً يحتاج بالعادة لدقائق أكثر من نصف ساعة حالياً، بل أن الوصول لبعض الأحياء والمناطق في عمان يتجاوز الساعة ونصف!
عندما نتابع أزمة المواصلات والنقل في العاصمة دمشق، وحجم الاختناقات المرورية الهائل الذي لم يعد يقتصر على فصل الصيف ودوام الموظفين والطلاب، بل امتد ليشمل كل الأوقات، يخطر في البال تساؤل مشروع عن عباقرة التخطيط في مجال النقل الذين لم يدركوا بعد أن دمشق العاصمة تتوسع يومياً لا سيما بسبب موجات النزوح إليها خلال سنوات الحرب، وأن الحل ليس بتكديس المركبات يوماً بعد يوم، بل بإنشاء شبكة مواصلات حديثة وواسعة تستطيع التكيف مع التزايد المتسارع في السكان وتتلاءم مع مرحلة إعادة الإعمار المقبلة للحد من تراكم مشاكل قطاع النقل التي سيصعب السيطرة عليها مستقبلاً اذا ما بقيت على حالها.


