بقلم : دكتور الاقتصاد ياسر مشعل
لم يعد خفياً على أحد أن الاقتصاد السوري يمر بمرحلة من الركود الاقتصادي المتصاحب مع ارتفاع اسعار السلع و الخدمات. فجميع مؤشرات الركود الاقتصادية متوفرة و محققة في هذا الاقتصاد. كما انه لم يعد خفياً على احد عجز الحكومة عن تقديم حلول جوهرية للازمة و عدم قدرتها على ادارة هذه الازمة بالشكل الذي يخفف من حدتها و يعالج آثارها و ذلك باعتراف اعضائها انهم ليسوا حكومة ازمة. فقد فشلت الحكومة من معالجة حالة الخوف والقلق لدى المواطنين حيال الوضع الاقتصادي للبلاد بشكل عام. و فشلت في دحض الشائعات المتولدة اوقات الازمات مما جعل الاقتصاد السوري عرضة لتقلبات في كافة اركانه, فالأسعار مرتفعة مع انخفاض معدلات التشغيل حيث ادت تقلبات الليرة السورية الى انخفاض الدخول الحقيقة و بدوره أدى الى انخفاض الطلب وتراجع مستويات الدخل و العمالة بالإضافة إلى توقف العديد من المصانع أو إلى تخفيض إنتاجها على الأقل وتسريح الكثير من العمال كل ذلك أدى إلى ازدياد نسبة البطالة بشكل ملحوظ . كما لوحظ تعليق جميع المشاريع المدعومة من قبل المؤسسات العالمية مثل بنك الاستثمار الأوروبي وتقليص نشاطات المنظمات العالمية كالأمم المتحدة وغيرها، وإغلاق فروع بعض الشركات الأجنبية مثل شركات النفط مما أدى إلى ترك العديد من الشباب بدون عمل و هذا ما يؤكد حالة الركود الاقتصادي العميق في الاقتصاد السوري.
نستطيع تفهم أن رفع أسعار الفائدة على الودائع بالليرة السورية في لحظة من اللحظات لتصل إلى 11% (لحث المواطنين الى اعادة أموالهم إلى المصارف طمعاً بالفائدة المرتفعة و لتوفير السيولة الازمة للمصارف و تجنب وقوعها في حالة من نقص السيولة و الافلاس و تحقيق حالة من استقرار المصارف العاملة بعدما قامت شريحة كبيرة من المواطنين بسحب مدخراتهم من المصارف تخوفاً من إفلاسها) كان قراراً لا يخلو من الصواب إلا أنه ساهم في تعميق حالة الركود التي كان الاقتصاد السوري يتجه نحوها فقد قامت المصارف برفع الفوائد على القروض أيضاً لتصل إلى 17% من أجل تغطية كلفة الودائع مما أدى إلى ازدياد الكلفة على التجار والصناعيين المستفيدين من القروض البنكية الأمر الذي انعكس فوراً على أسعار البضائع بالارتفاع. فمن جهة ادى (بالإضافة الى مجموعة من العوامل الاخرى) الى انخفاض معدلات التشغيل و خلق العمالة و من جهة اخرى الى ارتفاع كلفة السلع و الخدمات و ارتفاع المستوى العام للأسعار. هذا بالإضافة الى المعوقات التي تواجه عمليات تمويل المستوردات، فقد توقفت معظم البنوك الخارجية عن التعامل مع المصارف السورية مما نتج عنه تقليص الخدمات التي يمكن تقديمها لعملائها، بدءاً من صعوبة تحويل الأموال من وإلى الخارج، وانتهاء بعدم توفر الموارد للمستوردين من القطع الأجنبي بعد توقف مصرف سورية المركزي عن تمويل المستوردات بالعملة الأجنبية باستثناء بعض الأدوية. نستطيع القول أن ظروف الازمة و اجراءات البنك المركزي و الحكومة قد شلت حركة المصارف فلم تعد قادرة على اداء دورها المتمثل بخلق السيولة و ضخها في شرايين الاقتصاد الوطني. المؤسف أن الفريق الاقتصادي يعزي فشله في معالجة الازمة الاقتصادية الى ترابط الحل الاقتصادي بالحل السياسي للأزمة و كأنه تهرب من مسؤوليته عن الوضع الاقتصادي الراهن. لا ننكر دور الحل السياسي في توقف الضغوط الاقتصادية لكن الازمة الاقتصادية بحاجة لإجراءات حل تبدأ من تشخيص الواقع الاقتصادي تشخيصاُ واقعيا و مسؤولأ الى وضع سريع لخطة عمل محكمة و تنفيذها بالسرعة القصوى لتجنب دوام الازمة لوقت طويل بحيث تقوض من مقومات الاقتصاد الوطني.
من هذا المنطلق فلا بد من تحريك ادوات السياسة المالية و النقدية فى ضوء الانخفاض الشديد فى حجم الناتج القومى كونهما الآليتان الرئيسيتان اللتان تتيحا لمتخذ القرار التأثير على مستوى النشاط الاقتصادى فى المجتمع. فمن خلال التجربة ثبت أن ارتفاع المستوى العام للأسعار و ان كان في ظاهره نتيجة انخفاض قيمة الليرة السوية و لكن في جوهره هو منفصل عن المحددات الاقتصادية له خاصة بعد ان تكرمت وزارة الاقتصاد بوضع اللوائح التأشيرية للأسعار و التي لم تعتمد الوزارة في وضعها على أي اساس اقتصادي. من هنا فإن رفع اسعار الفائدة لمعالجة التضخم لن يزيد الوضع إلا سوء و يدخل الاقتصاد الوطني في حلقة التضخم الحلزوني. فالمطلوب اليوم تشجيع الاستثمار وزيادة السيولة المتداولة ليس من خلال زيادة الرواتب بل من خلال خفض اسعار الفائدة و تطبيق برامج التحفيز الكمي. كمثال واضح لتطبيق لسياسة نقدية لمواجهة الازمات قام البنك المركزى الأمريكى وقت الأزمة المالية العالمية بتخفيض أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى أقل مستوى لها فى التاريخ الحديث حيث أصبحت تقريبا صفرا لتشجيع الاقتراض والاستثمار، كما استحدث البنك المركزى آلية جديدة للتأثير على أسعار الفائدة المتوسطة وطويلة الأجل بتبنى ما أطلق عليه برنامج التحفيز الكمى quantitative easing الذى فى إطاره يشترى البنك المركزى من سوق المال سندات حكومية بحيث ترتفع أسعارها وبالتالى يخفض العائد عليها. هذه سياسة نقدية توسعية بالدرجة الأولى. تخفيض اسعار الفائدة يجب ان يرافقه تقديم البنك المركزي تسهيلات ائتمانية للبنوك التجارية بأسعار فائدة منخفضة. من خلال خفض اسعار الفائدة يكون البنك المركزي قد ركز على الجانب الحقيقي في تحديد اسعار الفائدة (علاقة تايلور) . فمستويات الفائدة المنخفضة تحفز العرض من خلال تركيزها على دعم الاستثمار و زيادة معدلات النمو و مستويات التشغيل التي انخفضت بشكل كبير اثناء الازمة.
لا يجب اغفال دور السياسة المالية في معالجة آثار الازمة الطويلة الاجل. فمطلوب من السياسة المالية زيادة الانفاق على مشروعات البنية الأساسية. ففي عام 2008 سارعت الحكومة الأمريكية بزيادة الإنفاق الحكومى بمقدار 700 مليار دولار مثلت وقتها حوالى 5% من حجم الناتج القومى أنفقت على مشروعات البنية الأساسية وبرامج إضافية فى مجالات الصحة والتعليم.
إن الانفاق الحكومى الإضافى الذى قامت به الحكومة الأمريكية نتج عنه زيادة فى حجم العجز فى الموازنة، وعلى الرغم من ذلك لم تتردد الإدارة الأمريكية فى تنفيذه قناعة منها أن زيادة الانفاق يؤدى إلى تحفيز النشاط الاقتصادى وإيجاد فرص عمل جديدة تساعد فى دوران عجلة الاقتصاد مرة أخرى.
بالنتيجة أثرت المشاكل التى يمر بها الاقتصاد السوري على المرونة المطلوبة فى هذه الأوقات لاستخدام السياستين المالية والنقدية لتحفيز الاقتصاد. إلا أنه يمكن استخدام السياسة المالية لتحريك الاقتصاد عن طريق إعادة هيكلة الإنفاق الحكومى. أما بالنسبة للسياسة النقدية، فيجب على البنك المركزي امتلاك المرونة المطلوبة لإتباع سياسة نقدية توسعية تقوم على تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز النشاط الاقتصادي.
