تتجه أنظار القطاع الخاص في لبنان وسوريا إلى بيروت، مع انطلاق «منتدى الاستثمار اللبناني-السوري» الذي يفتح مساحة واسعة لبحث فرص الاستثمار وإعادة الإعمار والطاقة والبنى التحتية، في وقت يقف فيه البلدان أمام احتياجات اقتصادية كبيرة تتطلب تدفق رؤوس الأموال وتنشيط الشراكات بين القطاعين الخاصين.
ويُقام المنتدى غداً الأربعاء في فندق «فينيسيا» في بيروت، بتنظيم أحمد هاشمية، وبمشاركة وفد سوري يضم نحو 7 وزراء، بينهم وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، إلى جانب مسؤولين عن صندوق الاستثمار والصندوق السيادي السوري حسب صحيفة النهار اللبنانية.
ويشارك في المنتدى أيضاً أكثر من 9 وزراء من الجانب اللبناني، ونحو 400 رجل أعمال، بينهم قرابة 190 رجل أعمال سورياً وأكثر من 200 رجل أعمال لبناني، في حضور يعكس اتساع الاهتمام بالفرص الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
من التعارف إلى المشاريع.. ماذا يريد المنتدى؟
يركز المنتدى على وضع القطاع الخاص في قلب النقاش الاقتصادي، من خلال جمع رجال الأعمال والمسؤولين المعنيين بالقطاعات المختلفة، بهدف بحث فرص التعاون والمشاريع المشتركة بصورة مباشرة.
وأوضح منظم المنتدى أحمد هاشمية أن الهدف الأساسي لا يتمثل في توقيع اتفاقات حكومية جديدة، إذ تعمل الحكومتان اللبنانية والسورية بشكل منفصل على إعداد عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وإنما في بناء قنوات مباشرة بين رجال الأعمال والمسؤولين، وفتح المجال أمام شراكات استثمارية جديدة.
وتتوزع أعمال المنتدى على 4 جلسات رئيسية، تبدأ ببحث موقع لبنان وسوريا في الخريطة الاقتصادية الجديدة للشرق الأوسط، ثم تناقش تمويل اقتصاد المستقبل والاستثمار ورأس المال واستعادة الثقة.
وتتناول الجلسة الثالثة ملف إعادة الإعمار والتنمية المستدامة، فيما تبحث الجلسة الرابعة دور لبنان وسوريا كبوابة إلى الأسواق الإقليمية، ولا سيما عبر النقل والمرافئ والاستثمار.
وتجمع الجلسات وزراء ومسؤولين من البلدين بحسب الاختصاص، بما يتيح الانتقال بالنقاش من الإطار العام للعلاقات الثنائية إلى الملفات الاقتصادية التي تمس حركة الاستثمار والتجارة بصورة مباشرة.
سوريا تبحث عن المستثمر اللبناني
يحظى الاستثمار اللبناني في سوريا بمساحة مهمة ضمن أعمال المنتدى، خصوصاً مع حجم الاحتياجات المرتبطة بإعادة بناء البنى التحتية وتطوير قطاعات أساسية.
وأشار هاشمية إلى أن الجانب السوري يرغب في استقطاب المستثمرين اللبنانيين، لكنه يدرك في الوقت نفسه وجود تردد لدى بعض المستثمرين بشأن دخول السوق السورية، ولذلك يسعى إلى تقديم صورة عن «سوريا الجديدة»، إلى جانب توفير الضمانات والمعلومات التي تساعد المستثمرين على اتخاذ قراراتهم.
وتشمل الفرص المطروحة قطاعات البناء والبنى التحتية والطاقة والصحة والتعليم وغيرها، مع مشاركة صناديق استثمارية وسيادية في عدد من المشاريع.
ويبرز قطاع الإنشاءات بصورة خاصة أمام الشركات اللبنانية، بالنظر إلى خبرتها وقرب السوق السورية جغرافياً، فيما يشير هاشمية إلى رغبة الجانب السوري في منح الشركات اللبنانية مساحة ضمن المشاريع المطروحة.
لكن انتقال هذه الفرص من مرحلة العرض إلى استثمارات فعلية يبقى مرتبطاً بوضوح الأطر القانونية والتمويلية، وتوفير الضمانات وآليات تنفيذ المشاريع، وهي عوامل ستحدد قدرة الشركات على تحويل اللقاءات إلى التزامات استثمارية ومشاريع قابلة للتنفيذ.
نحو 100 ملف مشترك بين لبنان وسوريا
ويضع الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان، المشارك في جلسة «بوابة لبنان وسوريا إلى الأسواق الإقليمية: النقل، المرافئ والاستثمار»، المنتدى في إطار خطوة أولى ضمن مسار اقتصادي طويل.
وأشار حمدان إلى وجود ما يقارب 100 ملف مشترك يحتاج إلى معالجة بين لبنان وسوريا، تشمل حركة السلع والرسوم والتعرفة والنقل، إضافة إلى المياه والحدود وترسيمها، وقواعد المنشأ والروزنامة الزراعية، فضلاً عن ملف العمالة السورية في لبنان والنازحين السوريين.
وتكتسب هذه الملفات أهمية مباشرة بالنسبة إلى الشركات، إذ يمكن لتكاليف النقل والرسوم وإجراءات العبور وقواعد المنشأ أن تؤثر في جدوى التجارة والاستثمار بين البلدين.
ومن هنا، فإن تطوير العلاقات الاقتصادية لا يرتبط فقط بتوقيع الاتفاقيات، وإنما بقدرة الجهات المعنية على تحويلها إلى إجراءات واضحة ومستقرة تساعد القطاع الخاص على التخطيط واتخاذ قراراته الاستثمارية.
الطاقة والبنى التحتية في صدارة الفرص
ولا يقتصر التعاون المحتمل بين البلدين على التجارة والاستثمار المباشر، إذ يبرز قطاع الطاقة والبنى التحتية كأحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من الموقع الجغرافي للبنان وسوريا.
ويرى حمدان أن مشاريع البنى التحتية والطاقة يمكن أن تشكل مساحة للمصالح المشتركة، خصوصاً في ظل حاجة سوريا إلى إعادة بناء جزء كبير من بنيتها التحتية وشبكات الطاقة، بالتوازي مع حاجة لبنان إلى استثمارات واسعة لإعادة تأهيل بنيته التحتية وقطاعاته الأساسية.
ويمنح هذا الواقع فرصاً أمام الشركات والمستثمرين في قطاعات متعددة، إلا أن تنفيذها سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على توفير الأطر التنظيمية والتمويلية اللازمة.
التمويل.. الحلقة الأهم في إعادة الإعمار
يضع حمدان التمويل في صلب أي تعاون اقتصادي مستقبلي بين لبنان وسوريا، إذ إن حجم الاحتياجات السورية، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار، يتطلب مصادر تمويل كبيرة، بينما يحتاج لبنان بدوره إلى استثمارات وتمويل لإعادة بناء بنيته التحتية ومعالجة تداعيات أزمته المالية والاقتصادية.
وبحسب حمدان، فإن التعاون الاقتصادي بين البلدين لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره علاقة أحادية الاتجاه، بل كمسار يمكن أن يحقق مصالح مشتركة إذا جرى اختيار المشاريع على أساس الجدوى الاقتصادية والمصلحة المتبادلة.
وبذلك، يضع «منتدى الاستثمار اللبناني-السوري» أمام المشاركين مجموعة واسعة من الملفات، تبدأ من جذب رؤوس الأموال وتطوير المشاريع، ولا تنتهي عند النقل والطاقة والحدود وقواعد المنشأ، فيما يبقى التحدي الأساسي في تحويل الحضور الكبير والزخم الاقتصادي إلى شراكات واستثمارات ومشاريع فعلية على الأرض.






