مع دخول الحرب بين إيران والولايات المتحدة أسبوعها الرابع، يبرز سؤال مصيري: هل تستطيع دول الخليج حماية أمنها الغذائي والمائي في ظل إغلاق مضيق هرمز؟
الإجابة المختصرة أن المنطقة أقل عرضة لنقص مباشر في الغذاء والمياه، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في اضطرابات الشحن وتقلبات تكاليف المدخلات، وهو ما يصب في مصلحة شركات الأغذية السعودية الكبيرة مثل “المراعي” ثم “صافولا” بدرجة أقل.
أمن المياه في الخليج.. تحلية تحت المجهر
تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على تحلية المياه بشكل كبير، إذ توفر نحو 90% من إمدادات مياه الشرب، فيما لا تزال المياه الجوفية تستحوذ على الحصة الأكبر من الاستخدام الزراعي.
تعد منطقة الخليج من أكثر المناطق إجهاداً مائياً عالمياً، مع قلة الأمطار وارتفاع معدلات التبخر وبطء تجدد المياه الجوفية، ما يجعل مصادر الإمداد غير التقليدية، ولا سيما التحلية، أكثر أهمية مقارنة بمعظم المناطق الأخرى. وتستضيف دول المجلس نحو نصف القدرة العالمية لتحلية المياه، وبلغ إنتاجها نحو 6.4 مليار متر مكعب في 2023.
مرونة إمدادات المياه تعتمد اعتماداً أكبر على القدرات الفائضة وليس التكامل على مستوى الخليج. فالسعودية والإمارات تشغِّلان شبكات متفرقة من محطات تحلية المياه الساحلية، ما يقلل من مخاطر الاعتماد على موقع واحد ويتيح تحويل الإنتاج عبر شبكات التخزين والنقل. وتشغّل السعودية 33 محطة رئيسية، والإمارات 70 محطة، ما يمنحهما مرونة أكبر في مواجهة أي طارئ.
أما الدول الأصغر مثل البحرين، وقطر، والكويت، فتعتمد على عدد أقل من المحطات، ما يجعل تأثير أي اضطرابات أكثر وضوحاً. فالكويت تمتلك 7 محطات رئيسية، وقطر 9 محطات، والبحرين 6 محطات، وهو ما يزيد من هشاشة أمنها المائي في حال تعرض أي من هذه المحطات لأعطال أو تهديدات.
كما تحتفظ معظم دول مجلس التعاون باحتياطيات إنتاج ومخزونات تساعد على تعويض الانقطاعات أو توقف الإنتاج أثناء أعمال الصيانة. ولا توجد شبكة مياه تشغيلية موحدة على مستوى دول المجلس تتيح موازنة الإمدادات بين الدول الست، فيما تعد حالة التعاون المائي بين البحرين والسعودية أبرز مثال على التنسيق العابر للحدود.
أمن الغذاء.. الاعتماد على الاستيراد رغم تحسن الاكتفاء الذاتي
لا يزال تأمين الغذاء في دول مجلس التعاون معتمداً على الاستيراد، حتى مع تحسن الاكتفاء الذاتي في بعض الفئات. وتعني قيود الأراضي والمياه أن المنطقة تعتمد هيكلياً على الإمدادات الخارجية للحبوب، والبذور الزيتية، وأعلاف الحيوانات، والفواكه، وجزء كبير من الأغذية المصنعة.
وتعد الإمارات، والكويت، والبحرين الأكثر اعتماداً على الواردات، فيما لا تزال السعودية تستورد حصة كبيرة من احتياجاتها الغذائية رغم تحسن الإنتاج المحلي في فئات مستهدفة حسب بلومبيرغ.
جاءت الاستجابة لاضطرابات الإمدادات بعد جائحة كورونا مركزة على قطاعات محددة وليست شاملة. فمثلاً، رفعت السعودية الاكتفاء الذاتي من الدواجن إلى 72% في 2024، وتجاوزت 100% في منتجات الألبان والبيض، مع تحسن في بعض الفواكه والخضروات أيضاً.
كما رفعت قطر بشكل حاد الاكتفاء الذاتي من الألبان الطازجة بعد أزمة 2017، بينما تُعد عُمان الأكثر اكتفاءً ذاتياً بشكل عام مقارنة بجيرانها في مجلس التعاون.
موانئ السعودية.. منقذ الإمدادات الخليجية
في ظل الصراع بين إيران والولايات المتحدة ومع تعطل مسارات الشحن في الخليج العربي، تسهم موانئ السعودية على البحر الأحمر في الحفاظ على تدفق واردات الغذاء إلى المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.
تستمر واردات الغذاء إلى دول المجلس عادة في التدفق حتى عند ارتفاع مخاطر الاختناقات، لكن بوتيرة أبطأ وتكلفة أعلى. ويكمن أحد الحلول في تفريغ الشحنات القادمة من أوروبا ومنطقة البحر المتوسط في موانئ السعودية على البحر الأحمر مثل جدة وينبع، ثم نقلها براً أو عبر سفن تغذية إلى البحرين، والكويت، وقطر، والإمارات، وعُمان.
وبذلك، أصبحت السعودية ممراً جزئياً لشحنات دول مجلس التعاون، ويأتي دعمها عبر تسهيلات إجرائية إلى جانب البنية التحتية. إذ تُسهل هيئة الزكاة والضريبة والجمارك عمليات العبور الجمركي والنقل المعلق وتسرع التخليصات من ناحية، فيما توسع المملكة قدراتها في الموانئ والمسارات البرية من ناحية أخرى.
ويسهم ذلك في استمرار تدفق واردات الغذاء، لكن مع فترات تسليم أطول وتكاليف شحن وتأمين أعلى، وزيادة رأس المال العامل المرتبط بالمخزونات، ما قد ينعكس في النهاية على أسعار المستهلكين.
شركات الأغذية السعودية.. من الأكثر مرونة؟
تبدو شركات الأغذية السعودية الكبيرة في وضع أفضل من متاجر التجزئة، مع اتجاه المستهلكين إلى تخزين السلع الأساسية وازدياد أهمية مرونة سلاسل التوريد في أوقات المخاطر الأمنية.
على المدى القريب، يُتوقع زيادة الطلب على السلع الأساسية مع توجه الأسر لبناء مخزونات من الألبان، والزيوت الغذائية، والسكر، والمواد التموينية الجافة. وإذا ازدادت قيود التجارة عبر الحدود، ستكون الشركات التي تعتمد على إنتاج محلي وشبكات توزيع قوية داخل دول المجلس أسرع في إعادة توجيه الإمدادات مقارنة بتلك المعتمدة على الواردات.
وتعد “المراعي” أكثر مرونة بفضل التكامل الرأسي عبر المزارع، والأعلاف، والتصنيع، والتوزيع المبرد، ما يقلل الاعتماد على الواردات الفورية ويدعم توافر المنتجات. كما تمتلك “صافولا” حضوراً في فئات السلع الأساسية وانتشاراً إقليمياً، لكنها أكثر تعرضاً لواردات الزيوت والسكر.
وقد تستفيد متاجر التجزئة مثل “العثيم” من موجة التخزين الأولية، لكن الكفة تميل لصالح المنتجين الكبار إذا استمرت الاضطرابات.

