يبحث العراق خيارات جديدة لتسريع التحول المالي الرقمي وتطوير منظومة المدفوعات، من بينها مقترح إطلاق الدينار العراقي الرقمي كصيغة إلكترونية للعملة الوطنية.
ويأتي المقترح مع توسع الاعتماد على الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، بينما تتركز التساؤلات حول قدرة العملة الرقمية على معالجة تحديات السيولة وتقليل الاعتماد على النقد وفقاً لـ CNN اقتصادية.
وأكد مستشار رئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الدينار الرقمي يمثل مشروعاً استراتيجياً مهماً، لكنه لا يشكل حلاً مستقلاً لأزمة السيولة، ولا يمكن أن يحل محل الإصلاحات الاقتصادية والمالية الأوسع التي يحتاج إليها الاقتصاد العراقي.
ما هو الدينار العراقي الرقمي؟
في حال إقراره، سيعني الدينار الرقمي إصدار نسخة إلكترونية من الدينار العراقي من جانب البنك المركزي العراقي، على أن تتمتع بالقوة القانونية نفسها للعملة الورقية وتساويها في القيمة.
ولا يتعلق الأمر بإصدار عملة عراقية جديدة، وإنما بإتاحة الدينار بصيغة رقمية يمكن تداولها عبر المحافظ الرقمية والحسابات المصرفية، بما يتيح تنفيذ المدفوعات والتحويلات بصورة أسرع وأكثر كفاءة.
وقال صالح لوكالة الأنباء العراقية «واع» إن فكرة إطلاق الدينار الرقمي تأتي ضمن توجه العراق نحو التحول الرقمي وتطوير النظام المالي، مشيراً إلى أن العملات الرقمية السيادية أصبحت محل اهتمام متزايد لدى البنوك المركزية حول العالم.
هل يعالج الدينار الرقمي أزمة السيولة؟
لا يرى مستشار رئيس الوزراء أن الدينار الرقمي يمكن أن يكون علاجاً منفرداً لأزمة السيولة، باعتبار أن التحديات النقدية ترتبط بعوامل اقتصادية ومالية تتجاوز طريقة تداول الأموال.
وتشمل هذه العوامل هيكلية الموازنة العامة، ومستويات الإنفاق الحكومي، وحجم الودائع، وثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، والسياسة النقدية، إلى جانب طبيعة الاقتصاد العراقي ومدى تنوع مصادر الدخل.
وبالتالي، يمكن للدينار الرقمي أن يكون أداة لتحسين إدارة النقد والمدفوعات والسيولة، لكنه لا يعالج بمفرده الاختلالات الاقتصادية والمالية الهيكلية.
فوائد الدينار الرقمي للاقتصاد العراقي
في حال تطبيق العملة الرقمية السيادية ضمن منظومة مالية متكاملة، يمكن أن توفر مجموعة من المزايا الاقتصادية والتشغيلية للعراق.
ومن أبرز هذه الفوائد تقليل الاعتماد على التعاملات النقدية التقليدية وتسريع عمليات الدفع والتحويل الإلكتروني، إلى جانب خفض تكاليف طباعة النقد ونقله وحمايته، بما يحقق وفراً مالياً مباشراً للاقتصاد الوطني.
كما يمكن للدينار الرقمي أن يعزز الشمول المالي ويوسع الوصول إلى الخدمات المصرفية، خصوصاً في المناطق النائية والمجتمعات التي تعاني من ضعف البنية التحتية المصرفية التقليدية.
ويمكن كذلك أن يحسن كفاءة المدفوعات الحكومية، من خلال إتاحة تحويلات أسرع وأكثر شفافية للأموال بين الجهات الحكومية والمستفيدين.
صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين رقمياً
من الناحية الفنية، يمكن مستقبلاً دراسة صرف رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين رقمياً، خصوصاً مع صرف شريحة واسعة من الرواتب الحكومية بالفعل عبر البطاقات المصرفية ضمن منظومة توطين الرواتب.
وفي حال إطلاق الدينار الرقمي، يمكن للمنظومة إيداع الرواتب مباشرة في محافظ رقمية أو حسابات مرتبطة بالعملة الرقمية، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الرواتب نقداً ويجعل تحويل الأموال أكثر سرعة.
كما يمكن أن يسهم ذلك في الحد من مخاطر نقل الأموال وتداولها نقداً، إلى جانب تعزيز كفاءة المدفوعات الحكومية.
متطلبات نجاح الدينار الرقمي
أوضح مستشار رئيس الوزراء العراقي أن نجاح أي مشروع للعملة الرقمية السيادية لا يتوقف على إصدار نسخة رقمية من العملة، وإنما يرتبط بدرجة جاهزية البنية المالية والتكنولوجية للدولة.
ويحتاج العراق، وفقاً لذلك، إلى مواصلة تطوير الخدمات المصرفية والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب استكمال الأطر القانونية والتشريعية اللازمة لتنظيم التعامل بالدينار الرقمي.
كما تشمل المتطلبات توسيع انتشار الخدمات المصرفية في مختلف المحافظات، وزيادة عدد أجهزة نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي، فضلاً عن تحسين جودة الاتصالات وخدمات الإنترنت في أنحاء البلاد، خصوصاً المناطق البعيدة.
وفي الجانب الأمني والتقني، تبرز الحاجة إلى تعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات والمعاملات من التهديدات المتزايدة.
ويشمل نجاح المشروع أيضاً رفع مستوى الثقافة المالية والرقمية لدى المواطنين، وزيادة ثقة الجمهور في القطاع المصرفي ووسائل الدفع الإلكترونية.
الدينار الرقمي جزء من الإصلاح
لا يزال الدينار العراقي الرقمي في إطار المقترح والدراسة، وليس عملة مطروحة للتداول حالياً.
وبناءً على ذلك، فإن نجاح المشروع لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب قطاعاً مصرفياً أكثر كفاءة، واقتصاداً أكثر تنوعاً، وسياسات مالية ونقدية منضبطة.
ويؤكد طرح مستشار رئيس الوزراء أن الدينار الرقمي، في حال المضي به، سيكون جزءاً من منظومة إصلاح اقتصادي أوسع، وليس حلاً منفرداً لأزمة السيولة أو التحديات المالية التي تواجه العراق.
