شركات سعودية وأردنية ومصرية تختبر الطلب وتبحث عن موزعين، فيما تتجه أخرى إلى بناء فروع ودراسة الإنتاج المحلي
فاطمة عمراني – موقع بزنس2بزنس
انتهت أيام معرض دمشق الدولي، وأغلقت الشركات أجنحتها، وعاد العارضون إلى أسواقهم، لكن الجزء الأهم بالنسبة إلى الشركات العربية التي جاءت إلى دمشق يبدأ الآن: أيّ اللقاءات والصفقات التي عُقدت داخل المعرض سيتحول إلى نشاط تجاري مستمر؟
وخلال أيام المعرض، ظهرت مسارات متعددة لدخول السوق السورية؛ شركات جاءت لاختبار الطلب والبحث عن موزعين، وأخرى تسعى إلى توسيع انتشارها عبر موزعين قائمين، فيما اختارت شركات بناء حضور مباشر من خلال الفروع وشبكات الخدمات، وبدأت أخرى دراسة الانتقال مستقبلًا إلى الإنتاج داخل سوريا.
وتكشف هذه التجارب عن تدرج في الحضور العربي، يبدأ بتصدير المنتجات، ويمر بالتوزيع وبناء الوجود التجاري، وقد يصل إلى الاستثمار والتصنيع. لذلك، لا تُقاس نتائج المعرض بعدد الصفقات المعلنة فقط، بل بقدرتها على التحول إلى علاقات تجارية طويلة الأمد.
من اختبار الطلب إلى البحث عن موزع
بالنسبة إلى مصنع الرياض للتمور السعودي، كانت المشاركة في معرض دمشق الدولي اختباراً أولياً للسوق.
وقال مسلم العثمان، ممثل الشركة، في تصريح خاص لـ«بزنس2بزنس» خلال المعرض، إن هذه هي المشاركة الأولى للمصنع في سوريا، وإن الهدف منها فتح سوق جديدة أمام منتجاته.
ويعمل المصنع على شراء التمور من المزارعين وتعبئتها وتغليفها، ثم توزيعها في السعودية وعدد من الأسواق في آسيا وأوروبا وأفريقيا، بحسب العثمان.
لكن اللقاءات التي أجرتها الشركة داخل المعرض منحتها مؤشرات تتجاوز مجرد زيارة الجناح. وأوضح العثمان أن الشركة فوجئت بحجم إقبال التجار والزوار، وأن عددًا من الأشخاص عرضوا العمل موزعين لمنتجاتها، مضيفًا أن الشركة وقّعت صفقات تجارية خلال المعرض.
وبالنسبة إلى شركة تدخل السوق للمرة الأولى، تمثل هذه الخطوة المرحلة الأولى من بناء وجود تجاري، بدءًا من اختبار الطلب والتعرف إلى التجار، وصولًا إلى اختيار الشركاء القادرين على تحويل المنتج من صفقة مؤقتة إلى توزيع مستمر.
أقرأ المزيد: معرض دمشق الدولي الـ63 يختتم أعماله بعقود وتفاهمات تتجاوز مليار دولار
موزع اليوم.. منتج غدًا؟
في الحالة الأردنية، وصلت بعض الشركات إلى مرحلة أكثر تقدماً.
وقال محمود الرشاد، الموظف في شركة «فيوتشر غروب» الأردنية المتخصصة في تغليف منتجات المطاعم، لـ«بزنس2بزنس»، إن الشركة تمتلك سبعة مصانع في الأردن، وفرعًا في الرياض ومستودعات فيها، إضافة إلى موزع في السوق السورية.
وتشارك الشركة للمرة الثانية في معرض دمشق الدولي، فيما تطمح إلى توسيع توزيع منتجاتها في مختلف أنحاء سوريا، بحسب الرشاد.
لكن الجانب اللافت في حديث الشركة يرتبط بما بعد مرحلة التوزيع؛ إذ تركز حاليًا على إيصال منتجاتها إلى السوق عبر الموزع، بينما قد يشكل افتتاح خط إنتاج في سوريا خطوة لاحقة، وفق الرشاد.
ويوضح هذا المسار الفرق بين دخول السوق والاستقرار فيها؛ فالتوزيع يتيح للشركة توسيع حضورها وقياس حجم الطلب، بينما يتطلب إنشاء خط إنتاج قرارًا استثماريًا طويل الأمد يرتبط بحجم السوق، وتكاليف الإنتاج، وتوافر البنية التحتية وسلاسل التوريد.
فرع داخل سوريا بدلاً من شحنة إلى سوريا
اختارت شركة «زحل إكسبريس» الأردنية نموذجاً مختلفاً للحضور في السوق السورية.
وقالت مسؤولة الشركة، بيان خزما، في تصريح لـ«بزنس2بزنس»، إن الشركة افتتحت حديثًا فرعًا لها في سوريا، وأصبحت تمتلك 14 فرعًا في المحافظات، إلى جانب تقديم خدمة التوصيل خلال 24 ساعة.
وربطت خزما دخول الشركة إلى السوق بما وصفته بالانفتاح الاقتصادي وتعزز العلاقات بين البلدين، مشيرة إلى امتلاك الشركة نظامًا يتيح للتاجر متابعة شحنته بصورة فورية.
وأضافت أن الشركة تتعامل مع نحو أربعة آلاف طلب يوميًا في سوريا. ويضع وجود فرع وشبكة تشغيل منتشرة في المحافظات الشركة في مستوى مختلف عن الشركات التي تكتفي بتصدير منتجاتها إلى السوق؛ إذ يعتمد نشاطها على بناء خدمة من داخل السوق نفسها، والاستفادة من حركة التجارة والطرود بين المدن والمناطق.
ومن شأن توسع النشاط التجاري الإقليمي وزيادة حركة البضائع بين سوريا ودول الجوار أن يعززا الطلب على الخدمات اللوجستية وشبكات التوصيل.
مصر.. وجود قائم وصفقات جديدة
تُظهر مشاركة الشركات المصرية بدورها أكثر من مستوى للحضور في السوق السورية.
وقال عبد الباري وليد، من شركة «الريان» المصرية لتصنيع الزجاج، لـ«بزنس2بزنس»، إن الشركة تمتلك فروعًا في سوريا، وإنها شهدت إقبالًا على منتجاتها خلال المعرض، مشيرًا إلى إبرام صفقات مهمة.
في المقابل، سجلت شركة «الشامي للمنتجات المصرية» المتخصصة في الألبسة والنسيج مشاركتها الأولى في المعرض، وفق مسؤول الشركة عمرو محمد.
وقال محمد لـ«بزنس2بزنس» إن الشركة أبرمت صفقات خلال مشاركتها، وإن لقاءاتها مع التجار السوريين عكست تحسنًا في السوق وحركة التبادل التجاري بين البلدين.
وبين التجربتين يظهر اختلاف واضح في نقطة البداية؛ فإحداهما تمتلك وجودًا سابقًا داخل سوريا وتستخدم المعرض لتعزيز نشاطها، فيما تختبر الأخرى السوق للمرة الأولى من خلال التواصل المباشر مع التجار.
وتتزامن هذه الحركة التجارية مع مباحثات أوسع لتعزيز العلاقات الصناعية بين البلدين. ففي حزيران 2026، بحثت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مع وفد من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين إمكانية إقامة منطقة صناعية متكاملة في محافظة حلب، إلى جانب توسيع الاستثمارات المشتركة، وفق ما نقلته وكالة «سانا».
و تتطالعون أيضا: معرض دمشق الدولي.. أيام الأعمال ترسم خريطة الشراكات والاستثمارات الجديدة
ماذا سيبقى بعد المعرض؟
مع إغلاق أبواب معرض دمشق الدولي، تنتهي المرحلة الأسهل من القصة. فاللقاء بين الشركة والمستورد قد يحدث خلال دقائق، ويمكن للطرفين تبادل بيانات التواصل وتوقيع مذكرة أو الإعلان عن صفقة، لكن استمرار العلاقة يحتاج إلى طلبات متكررة، وشبكات توزيع قادرة على العمل، وتمويل، ونقل، وإجراءات تجارية واضحة.
أما الانتقال إلى الاستثمار الصناعي، فيتطلب رأس مال وبنية إنتاجية وسوقًا مستقرة بالقدر الكافي لتبرير الالتزام طويل الأمد.
وهنا تظهر أهمية التدرج الذي كشفه المعرض؛ فشركة سعودية بدأت بالبحث عن موزعين، وشركة أردنية لديها موزع وتدرس إمكانية الإنتاج المحلي، وأخرى بنت فرعًا وشبكة خدمات داخل سوريا، فيما تجمع الشركات المصرية بين الوجود القائم والاختبار الأولي للسوق.
وفي المقابل، توجد شركات عربية انتقلت بالفعل إلى مستوى تشغيل المنشآت أو إقامة شراكات صناعية داخل سوريا.
لذلك، ستُقاس القيمة الفعلية لهذه الدورة من معرض دمشق الدولي بما سيحدث بعد انتهائها، وليس فقط بعدد الشركات العربية التي شاركت فيها أو الصفقات التي أُعلن عنها خلالها.
في النهاية، انتهى المعرض، لكن اختبار السوق بدأ للتو: هل تستطيع الشركات العربية تحويل أيام قليلة داخل أجنحة المعرض إلى وجود مستمر في السوق السورية؟ وهل تنتقل بعض هذه العلاقات من استيراد المنتجات وتوزيعها إلى الاستثمار في إنتاجها محليًا؟
