الرؤية الحكومية تراهن على الإنتاج والتكنولوجيا وتحويل سوريا إلى منصة مرتبطة بالأسواق الإقليمية
خاص موقع بزنس2بزنس – فاطمة عمراني
لم تكن زيارة ممثلي نحو 50 شركة أميركية إلى سوريا مجرد جولة لاستكشاف سوق جديدة، وفق الرؤية التي يطرحها وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، بل خطوة ضمن مسار يستهدف جذب استثمارات تنقل معها الإنتاج والتكنولوجيا والخبرات، وتربط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية.
وأعاد الشعار تأكيد هذه الرؤية في منشور حديث عبر حسابه على «فيسبوك»، تحدث فيه عن أهمية إعادة بناء شبكة العلاقات الاقتصادية الخارجية، معتبراً أن عودة التواصل مع الشركات والمستثمرين تمثل خطوة أساسية لبناء الثقة وتهيئة الطريق أمام الاستثمارات المباشرة.
وجاء منشور الوزير عقب زيارة وفد اقتصادي أميركي إلى سوريا الأسبوع الماضي ضم ممثلين عن نحو 50 شركة، بهدف الاطلاع على السوق السورية والاستماع إلى المسؤولين وممثلي القطاع الخاص وتقييم فرص الشراكة والاستثمار.
إقرأ المزيد: استثمارات أمريكية محتملة في سوريا.. الصندوق السيادي يبحث آفاق الشراكة
سوريا كسوق.. أم منصة إقليمية؟
يضع الشعار تغيير موقع سوريا في سلاسل الإنتاج والتجارة في صلب الرؤية الاقتصادية الجديدة؛ فبدلاً من اقتصار دور الشركات الأجنبية على بيع منتجاتها داخل السوق السورية، تتطلع الحكومة إلى انتقالها نحو الإنتاج والتوريد والتوزيع انطلاقاً من سوريا، والاستفادة من موقع البلاد للوصول إلى الأسواق الإقليمية.
وكان الوزير قد قال خلال لقائه الوفد الأميركي إن الهدف يتمثل في تحويل سوريا من سوق لإعادة الإعمار إلى «منصة إنتاجية واقتصادية» قادرة على جذب رأس المال والارتباط بالأسواق الإقليمية.
وتتصل هذه الفكرة بما طرحه الشعار خلال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في يونيو الماضي، حين تحدث عن بناء اقتصاد منتج ومتنوع وقادر على الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وتحويل الموقع الجغرافي والموارد البشرية إلى مزايا تنافسية.
وبهذا التصور، لا تقتصر أهمية سوريا بالنسبة إلى الشركات الأجنبية على حجم الطلب المحلي أو احتياجات إعادة الإعمار، بل تمتد إلى إمكانية استخدامها قاعدة للإنتاج والتوزيع والوصول إلى أسواق مجاورة.

الاستثمار المطلوب يتجاوز رأس المال
ميّز الشعار، في حديثه أمام الوفد الأميركي، بين جذب الأموال وجذب القدرات التي ترافقها، مشيراً إلى أهمية التكنولوجيا وإدارة المشروعات والهندسة المالية والإنتاجية والحوكمة التي تستطيع الشركات الأجنبية تقديمها.
وتظهر هذه النقطة في خطاب وزارة الاقتصاد والصناعة من خلال التركيز على استثمارات تضيف إلى الاقتصاد المحلي التكنولوجيا والخبرات، وتساهم في تطوير الكوادر البشرية وبناء سلاسل التوريد، إلى جانب ما توفره من تمويل.
ويعني ذلك أن قيمة الاستثمار الأجنبي، وفق هذه الرؤية، لا تُقاس بحجم رأس المال وحده، بل بما يتركه المشروع داخل الاقتصاد السوري من إنتاج وفرص عمل وخبرات وقدرة على الوصول إلى أسواق جديدة.
كما تضع هذه المقاربة المشروعات الإنتاجية طويلة الأجل في مرتبة متقدمة على الاستثمارات التي تقتصر على الاستيراد أو بيع المنتجات الجاهزة داخل السوق المحلية، لأنها توفر قيمة مضافة أوسع للاقتصاد.
أقرأ المزيد: 50 شركة أمريكية في دمشق.. الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار على طاولة المباحثات
من «اقتصاد التراخيص» إلى «اقتصاد الإمكانات»
لا تقتصر الرؤية على طبيعة الاستثمار الأجنبي المطلوب، إذ يربط الشعار جذب الاستثمارات بتغيير أوسع في طريقة إدارة الاقتصاد ودور كل من الدولة والقطاع الخاص.
وكان الوزير قد أوضح، خلال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص، أن تبني نهج الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، وإنما يقوم على نموذج يوازن بين حرية المبادرة ودورها الاستراتيجي، مع التركيز على الكفاءة والاستقرار وبناء الشراكات الحقيقية.
وخلال اجتماعه مع الوفد الأميركي، صاغ الشعار هذا التحول بصورة أكثر مباشرة، قائلاً إن الحكومة تعمل على الانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى «اقتصاد الإمكانات».
ويقوم هذا التصور على أن يقود القطاع الخاص الاستثمار والتوظيف والابتكار والإنتاج، بينما تركز الدولة على تنظيم السوق، ودعم المنافسة، وبناء المؤسسات وتوفير بيئة تسمح للشركات بالنمو.
ولا يتعلق هذا التحول بتقليص دور الدولة بقدر ما يرتبط بإعادة تعريفه؛ من إدارة النشاط الاقتصادي بصورة مباشرة إلى وضع القواعد وتنظيم السوق وحماية المنافسة وتهيئة الظروف اللازمة للاستثمار.

التواصل الاقتصادي خطوة أولى
يربط الشعار بين جذب الاستثمارات وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية الخارجية، مشيراً إلى أن نتائج اللقاءات والفعاليات ومذكرات التفاهم لا تظهر بالضرورة بصورة فورية.
ويحتاج بناء الثقة وإعادة فتح قنوات التواصل وتعريف الشركات الأجنبية بالتحولات الاقتصادية في سوريا إلى الوقت والاستمرارية، فيما تمثل زيارة الوفد الأميركي، وفق هذا الطرح، إحدى خطوات هذا المسار.
وشهدت الأشهر الماضية تحركات حكومية في هذا الاتجاه، بينها المؤتمر الوطني لحوار القطاع الخاص في يونيو، والمنتدى السوري الأميركي الأول في يوليو، إلى جانب فعاليات اقتصادية هدفت إلى عرض الفرص الاستثمارية وإعادة وصل الاقتصاد السوري بالشركات والأسواق الخارجية.
لكن زيادة عدد الوفود واللقاءات تمثل مرحلة أولية فقط، إذ يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذه التحركات على الانتقال من استكشاف الفرص وتبادل التصورات إلى تأسيس مشروعات إنتاجية واستثمارات مباشرة.

ماذا ينتظر المستثمر من سوريا؟
في المقابل، لا يرتبط انتقال الشركات من مرحلة استطلاع السوق إلى تنفيذ المشروعات بحجم الفرص المتاحة وحده، بل بقدرة البيئة الاستثمارية على توفير قواعد واضحة ومستقرة للعمل، وضمانات لحماية رأس المال وتسوية النزاعات وتحويل الأموال.
كما يتطلب جذب الاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل توافر التمويل والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب إجراءات أكثر مرونة وقدرة على خفض تكاليف تأسيس المشروعات وتشغيلها.
ومن شأن التقدم في هذه الملفات أن يحدد قدرة سوريا على جذب النوع الذي تستهدفه من الاستثمارات، ولا سيما المشروعات التي تنقل التكنولوجيا، وتطور الكفاءات المحلية، وتبني سلاسل توريد، وتستهدف الأسواق الخارجية.
من الاهتمام إلى الاستثمار
تضع هذه الرؤية الحكومة أمام مرحلة تتجاوز جذب الوفود والشركات إلى سوريا، إذ يتمثل التحدي الأساسي في تحويل الاهتمام الخارجي إلى مشروعات تدخل مرحلة التنفيذ وتبدأ بإضافة قيمة فعلية إلى الاقتصاد.
ويتطلب تحقيق ذلك بيئة قانونية ومؤسساتية قادرة على حماية المنافسة وتسهيل عمل القطاع الخاص وخفض مخاطر الاستثمار، بما يسمح بتحويل التواصل الاقتصادي وبناء الثقة إلى نشاط إنتاجي يرتبط بالسوق السورية والأسواق الإقليمية.
وبذلك، لن يُقاس نجاح التحرك الاقتصادي بعدد الوفود التي تزور دمشق أو مذكرات التفاهم الموقعة، بل بعدد المشروعات التي تنتقل إلى التنفيذ، وحجم ما تضيفه إلى الإنتاج والتوظيف والصادرات والقدرات المحلية.






