طفرة الذكاء الاصطناعي… محرك للنمو أم رهان يثقل الاقتصاد العالمي بالديون؟

تحوّل الذكاء الاصطناعي خلال 2026 من قصة تكنولوجية إلى أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي العالمي، بعدما دفعت شركات التكنولوجيا الكبرى مئات المليارات من الدولارات نحو مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية. وفي وقت تواجه فيه اقتصادات عدة ضغوط الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ إنفاق المستهلكين، بات هذا الإنفاق يعوّض جانباً من ضعف النمو، خصوصاً في الولايات المتحدة.

لكن وراء الطفرة الاستثمارية تتراكم التزامات مالية ضخمة، ما يفتح سؤالاً أكثر صعوبة من حجم الإنفاق نفسه: هل تتحول الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية وإيرادات تكفي لتغطية كلفتها، أم أن الاقتصاد العالمي يبني جزءاً من نموه الحالي على رهان ممول بالديون؟

استثمارات الذكاء الاصطناعي تدعم النمو العالمي

- Advertisement -

رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي خلال 2026 إلى 2.9%، مقارنة بـ2.8% في توقعات حزيران، بعد نمو بلغ 3.4% خلال العام الماضي. وعزت المنظمة جانباً من صمود الاقتصاد إلى تسارع الاستثمار والإنتاج المرتبطين بالذكاء الاصطناعي، اللذين ساعدا في تعويض جزء من التداعيات الاقتصادية للصراعات وارتفاع تكاليف الطاقة.

ويتوقع صندوق النقد الدولي بدوره نمواً عالمياً بنحو 3% خلال العام، مع تفاوت واضح بين الاقتصادات بحسب موقعها من سلسلة القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ففي حين تضغط أسعار الطاقة على الدول المستوردة، تستفيد الاقتصادات المرتبطة بصناعة الرقائق ومراكز البيانات والبنية التكنولوجية من موجة الطلب الجديدة.

وتبرز الولايات المتحدة بصورة خاصة في هذه المعادلة، إذ تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو اقتصادها 2.2% خلال 2026، مدفوعاً جزئياً باستثمارات الذكاء الاصطناعي، في وقت يتباطأ فيه إنفاق المستهلكين ونمو دخولهم الحقيقية.

220 مليار دولار من أمازون وحدها

توضح خطط الشركات العملاقة حجم الرهان. وتعتزم شركة “أمازون” إنفاق نحو 220 مليار دولار خلال 2026 على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ولا تتوقف آثار هذه الاستثمارات عند الولايات المتحدة، إذ يحتاج بناء مركز بيانات واحد إلى منظومة عالمية من الموردين، تشمل الرقائق من تايوان، وشرائح الذاكرة من كوريا الجنوبية، والمعدات المتخصصة من شركات أوروبية.

- Advertisement -

وانعكس ذلك على النشاط الصناعي في آسيا وأوروبا. ففي تايوان ارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 56.7 نقطة خلال أيلول، مقارنة بـ54.7 نقطة في آب، بينما سجلت كوريا الجنوبية توسعاً قوياً قادته قطاعات أشباه الموصلات والسيارات، مع نمو طلبيات التصدير الجديدة بأسرع وتيرة منذ آذار 2011.

وفي أوروبا، وصل المؤشر الصناعي إلى 52.9 نقطة، وهو أعلى مستوى في 52 شهراً. لكن قوة النشاط الصناعي جاءت مصحوبة بارتفاع في ضغوط الأسعار، ما يعني أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تدعم النمو، لكنها قد تضيف في الوقت نفسه ضغوطاً تضخمية.

موجة استثمار تموّلها الديون

المشكلة لا تتعلق بحجم الاستثمارات فقط، وإنما بطريقة تمويلها أيضاً، وتشير بيانات “ستاندرد أند بورز غلوبال” إلى أن شركات الحوسبة السحابية والجهات المرتبطة بها، ومنها “إنفيديا”، أصدرت سندات بقيمة 225 مليار دولار حتى منتصف 2026، مع توقعات بوصول الإصدارات إلى نحو 400 مليار دولار بنهاية العام.

وتزداد الصورة تعقيداً مع توسع صفقات التمويل خارج الميزانية. فقدّرت وكالة “موديز” قيمة هذه الصفقات بنحو 1.2 تريليون دولار، بينها أكثر من 820 مليار دولار مرتبطة بمراكز بيانات قيد الإنشاء.

وتظهر “أمازون” مجدداً في قلب هذه المعادلة، بعدما أصبحت من أكبر مُصدري سندات الشركات خلال العام، بإصدارات تقترب من 100 مليار دولار، بالتزامن مع ترتيبات تمويلية مرتبطة بالرقائق والبنية التحتية.

وفي إحدى الصفقات اللافتة، عرضت الشركة على مستثمرين ترتيباً ينقل رقائق من “إنفيديا” بقيمة تقارب 8 مليارات دولار إلى كيان منفصل ثم تستأجرها منه، في نموذج يعيد توزيع الالتزامات المالية بدلاً من تمويل الأصول بصورة مباشرة.

التمويل الدائري يثير المخاوف

تتسع المخاوف أيضاً من ظاهرة التمويل الدائري، حيث تقدم الشركات المنتجة للتكنولوجيا تمويلاً لعملائها من أجل شراء منتجاتها.

وتبرز في هذا السياق صفقة تعهدت فيها “إنفيديا” بتوفير تمويل يصل إلى 105 مليارات دولار لمركز بيانات تابع لـ”أوبن إيه آي” في أوهايو.

وتعني هذه النماذج أن تقييم حجم الطلب الحقيقي على الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر تعقيداً؛ فجزء من الإنفاق قد يكون مدفوعاً بتمويل داخل المنظومة نفسها، وليس فقط بتدفقات نقدية ناتجة عن استخدام التكنولوجيا أو إيرادات نهائية مستدامة.

الإنتاجية هي الاختبار الحقيقي

حتى الآن، يأتي جزء كبير من الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي من الإنفاق على بنائه، فيما يبقى الاختبار الأهم في قدرته على رفع إنتاجية الاقتصاد.

وتشير دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن براءات اختراع الذكاء الاصطناعي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تضاعفت ثلاث مرات بين 2000 و2017، ارتبطت بزيادة في إنتاجية العامل تراوحت بين 0.8% و1.2%، بينما قد ترفع التقنية الإنتاجية الكلية بما يصل إلى 3.8% على المدى الطويل.

لكن المكاسب المحتملة لن تتوزع بالتساوي، إذ تشير الدراسة إلى استفادة أكبر للاقتصادات التي ترتفع فيها نسبة العاملين في الوظائف المهنية والإدارية.

فرصة للدول النامية… ولكن بشروط

لا تقتصر المعادلة على الاقتصادات المتقدمة. ويرى البنك الدولي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح الدول النامية فرصة لتسريع التنمية، شرط سد فجوات الكهرباء والاتصالات والمهارات وجودة المؤسسات.

وتبرز هنا مفارقة لافتة: الوظائف في الاقتصادات مرتفعة الدخل تبدو أكثر تعرضاً للتأثر بالتكنولوجيا، بينما قد تحقق الدول النامية مكاسب إنتاجية واسعة إذا تمكنت من دمج الذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها.

وبحسب تقديرات البنك الدولي، تبلغ نسبة الوظائف المعرضة للخطر بسبب الذكاء الاصطناعي نحو 14.2% في الاقتصادات مرتفعة الدخل، مقابل 4.5% في الاقتصادات النامية، في حين قد تستفيد 16.2% من وظائف الدول النامية من ارتفاع الإنتاجية المرتبط بالتكنولوجيا.

ماذا لو تأخرت العوائد؟

هنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في الطفرة الحالية. فارتفاع الإنفاق والاستدانة يفترض أن تتحول الاستثمارات لاحقاً إلى إيرادات وإنتاجية تكفي لتبرير قيمتها.

وتحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن ارتفاع عوائد السندات السيادية طويلة الأجل أو ضعف العوائد الناتجة عن استثمارات الذكاء الاصطناعي قد يؤديان إلى إعادة تسعير واسعة للأصول المالية.

وفي حال تحقق مجموعة المخاطر معاً، تقدر المنظمة أن ينخفض النمو العالمي بنحو 0.7 نقطة مئوية خلال العام المقبل، بالتزامن مع ارتفاع التضخم العالمي بنحو 1.1 نقطة مئوية.

لذلك، فإن السؤال الاقتصادي لم يعد يتعلق فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير طريقة الإنتاج، وإنما بقدرة الأرباح والإنتاجية المستقبلية على اللحاق بسرعة الاستثمار الحالية. فكلما اتسعت مراكز البيانات، وتضخمت إصدارات السندات، وتعقدت هياكل التمويل، أصبحت كلفة تأخر العوائد أكبر.

والاختبار الحقيقي للطفرة لن يكون عدد النماذج التي تُبنى أو حجم مراكز البيانات التي تُشيّد، وإنما ما إذا كانت هذه الاستثمارات ستنتج اقتصاداً أكثر إنتاجية، أم ستترك وراءها موجة أصول وديون تحتاج إلى سنوات لإثبات جدواها.

المشار إليها:

B2B News

Typically replies within an hour

I will be back soon

Hello, I’d like to inquire about advertising opportunities with B2B News. Please send me the available advertising options and rates.
مرحباً، أرغب في الاستفسار عن فرص الإعلان عبر B2B News. يرجى تزويدي بالخيارات والأسعار الإعلانية المتاحة.
Exit mobile version