رغم استمرار الزخم في الصفقات العقارية بدبي خلال الفترة الأخيرة، إلا أن وتيرتها بدأت تفقد بعضاً من إيقاع الطفرة التي أعقبت جائحة كورونا، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران، ما يثير تساؤلات حول مستقبل السوق: هل نحن أمام تباطؤ طبيعي، أم مرحلة إعادة تسعير أوسع تشمل الطلب والتمويل وقدرة المطورين على مواجهة التزاماتهم المالية؟
دخلت سوق العقارات في دبي هذه المرحلة من موقع قوي نسبياً، إذ بلغت قيمة التصرفات العقارية نحو 252 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، بارتفاع 31% على أساس سنوي، فيما تجاوز عدد المعاملات 60 ألف صفقة، بحسب بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي.
لكن بيانات شهر مارس كشفت بداية تغير في وتيرة النشاط، مع ظهور مؤشرات على حذر متزايد لدى المشترين وتباطؤ في بعض القطاعات الفرعية حسب بلومبيرغ.
أول تراجع في الأسعار منذ 2020
أظهر مؤشر أسعار المنازل الصادر عن شركة فاليوسترات تراجعاً بنسبة 5.9% مقارنة بالشهر السابق، وهو أول انخفاض منذ عام 2020، رغم بقاء الأسعار عند مستويات قريبة من النصف الثاني من العام الماضي.
كما انخفضت قيمة المبيعات السكنية في دبي بنحو 20% لتصل إلى 37.2 مليار درهم، وتراجع عدد الصفقات إلى نحو 13 ألف صفقة مقارنة بنحو 16 ألفاً، وفق بيانات شركة ريدين.
وكان التراجع أوضح في سوق العقارات قيد الإنشاء، التي تمثل النسبة الأكبر من السوق، إذ انخفضت المبيعات على الخريطة بنحو 13% خلال مارس.
المشترون أكثر حذراً.. وخصومات تصل إلى 15%
تشير تقديرات مصرفية إلى أن حجم الصفقات العقارية في الإمارات تراجع بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، وسط ظهور خصومات تتراوح بين 12% و15% في بعض الصفقات السريعة.
ويرى خبراء القطاع أن هذا التباطؤ لا يعني دخول السوق في مرحلة ركود، بل يعكس تغيراً في سلوك المستثمرين الذين أصبحوا أكثر انتقائية وتركيزاً على جودة الأصول والعائد طويل الأجل.
التمويل.. التحدي الأكبر أمام المطورين
تواجه شركات التطوير العقاري في الإمارات اختباراً أكثر حساسية يتعلق بالتمويل، بعد توسعها خلال السنوات الماضية في إصدار السندات والصكوك لتمويل المشاريع الجديدة.
وبحسب بيانات السوق، شهدت بعض الصكوك العقارية المقومة بالدولار ضغوطاً كبيرة، مع ارتفاع عوائدها إلى مستويات تعكس زيادة المخاطر الائتمانية، في وقت يقدر فيه حجم الاستحقاقات المستقبلية بنحو 8 مليارات دولار حتى عام 2030.
ويؤكد خبراء ماليون أن التحدي لم يعد مرتبطاً بتوافر التمويل فقط، بل بكلفته المتزايدة، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة في العوائد وتراجع شهية المستثمرين الدوليين.
أي المطورين الأكثر تعرضاً للمخاطر؟
يرى محللون أن المطورين الكبار الذين يمتلكون محافظ أراضٍ واسعة ومبيعات قوية مسبقة يتمتعون بقدرة أعلى على مواجهة الضغوط المالية.
في المقابل، تبدو الشركات المتوسطة أو الحديثة أكثر عرضة للمخاطر، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على مشاريع البيع على الخريطة، مع هوامش سيولة محدودة في حال تباطؤ المبيعات أو ارتفاع الإلغاءات.
تباطؤ الاقتصاد يضيف ضغوطاً إضافية
على مستوى الاقتصاد الكلي، أظهر مؤشر مديري المشتريات في دبي تراجعاً إلى 51.6 نقطة في أبريل، وهو أدنى مستوى في 55 شهراً، ما يعكس تباطؤاً في وتيرة النمو والطلب الجديد.
ويُرجع هذا التراجع جزئياً إلى تأثيرات التوترات الإقليمية على سلاسل الإمداد والإنفاق الاستثماري.
هل تتكرر أزمات سابقة؟
رغم أن السوق العقارية في دبي تُقارن أحياناً بدورات هبوط سابقة مثل أزمة 2008 أو فترة الجائحة، إلا أن خبراء يرون أن الوضع الحالي يختلف، نظراً لارتفاع مستويات التنظيم، وتحسن الرقابة المصرفية، وانخفاض الاعتماد على التمويل عالي المخاطر مقارنة بالماضي.
ومع ذلك، يبقى التحدي الحالي متعدد الأبعاد: توتر جيوسياسي، ومعروض مرتقب، وكلفة تمويل أعلى، واستحقاقات ديون متراكمة خلال السنوات المقبلة.
الخلاصة.. من يملك القدرة على الصمود؟
يرى محللون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه السوق، مع ترقب أداء مبيعات المشاريع على الخريطة، ومستويات الإلغاء، وقدرة المطورين على العودة إلى أسواق التمويل.
فإذا استقرت المبيعات وتراجعت علاوة المخاطر، قد تبقى المرحلة ضمن تصحيح محدود. أما إذا استمرت الضغوط، فقد تدخل سوق دبي مرحلة إعادة تسعير أعمق للمخاطر العقارية والتمويلية.
وفي كل الحالات، لم يعد السؤال حول الطلب وحده، بل حول قدرة السوق على تمويل نموها في بيئة عالمية أكثر تقلباً.

