في تطور لافت يعكس تحولات كبيرة في خريطة الطاقة الإقليمية، بدأت شحنات النفط العراقي بالعبور براً عبر الأراضي السورية، في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، تمهيداً لتصديرها عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز نتيجة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما دفع العراق إلى البحث عن مسارات بديلة تضمن استمرار تدفق صادراته النفطية التي تشكل الركيزة الأساسية لاقتصاده.
تفاصيل الاتفاق بين بغداد ودمشق
أعلنت وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط “سومو” بدء تصدير النفط الخام والنفط الأسود براً عبر الشاحنات، انطلاقاً من معبر الوليد الحدودي باتجاه الأراضي السورية.
وبحسب المعطيات، تم توقيع عقود لتوريد نحو 50 ألف برميل يومياً من خام البصرة، مع خطة لرفع الكمية تدريجياً لتصل إلى 150 ألف برميل يومياً، عبر تشغيل مئات الشاحنات التي تنقل النفط من مدينة حديثة العراقية وصولاً إلى مصفاة وميناء بانياس.
وتصف الجهات المعنية هذه الخطوة بأنها بداية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين، قد تفتح الباب أمام مشاريع أوسع في قطاع الطاقة.
مكاسب اقتصادية مشتركة
من المتوقع أن تحقق سوريا عوائد مالية مهمة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، تُقدّر بما بين 150 و200 مليون دولار سنوياً، إلى جانب إمكانية الحصول على كميات من النفط أو مشتقاته بأسعار تفضيلية لتخفيف العجز في السوق المحلية حسب تلفزيون سوريا.
في المقابل، يمثل هذا المسار منفذاً حيوياً للعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط لتمويل ميزانيته، حيث يساهم التصدير عبر البحر المتوسط في تقليل المخاطر المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
نحو إحياء مشاريع الأنابيب الاستراتيجية
ورغم أن النقل البري يُعد حلاً مؤقتاً، إلا أن التوجه الاستراتيجي يتجه نحو إعادة تأهيل خطوط الأنابيب، وعلى رأسها خط كركوك – بانياس، الذي يُعد الخيار الأكثر كفاءة لنقل كميات كبيرة من النفط بتكلفة أقل.
كما تُطرح مشاريع أخرى مثل خط البصرة – حديثة – بانياس، والتي قد تسهم في تحويل سوريا إلى مركز إقليمي لنقل الطاقة يربط الخليج بالبحر المتوسط.
تقرؤون أيضاً: بعد سنوات من التوقف.. صهاريج النفط العراقي تدخل سوريا عبر التنف في طريقها إلى بانياس
تحديات أمنية وحسابات سياسية
لا يخلو المشروع من التحديات، خاصة في ظل المخاطر الأمنية في بعض المناطق، إلا أن الجهات المعنية تؤكد وجود تنسيق أمني مكثف لحماية هذا الممر الحيوي.
وعلى الصعيد السياسي، تشير المعطيات إلى وجود توافقات دولية غير معلنة تدعم هذا التوجه، في إطار تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وخلق بدائل استراتيجية لنقل الطاقة في المنطقة.
رؤية مستقبلية: سوريا كمحور طاقة إقليمي
تشير التقديرات إلى أن السنوات القادمة قد تشهد إطلاق مشاريع كبرى، تشمل إعادة تأهيل خطوط نفط وغاز عابرة للحدود، إضافة إلى مشاريع نقل حديثة تربط المنطقة بأوروبا، ما يعزز من موقع سوريا والعراق كمحور رئيسي في تجارة الطاقة العالمية.
في المحصلة، يمثل عبور النفط العراقي عبر سوريا بداية مرحلة جديدة عنوانها “الجيواقتصاد”، حيث تفرض المصالح الاقتصادية نفسها على التعقيدات السياسية، وسط تساؤلات حول قدرة هذا التعاون على التحول إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

