لم يعد ارتفاع فواتير الكهرباء في سوريا مرتبطاً فقط بسعر الكيلوواط أو عدد ساعات التغذية، بل أصبح نتيجة مباشرة لعوامل أعمق داخل المنازل نفسها، أبرزها نوع الأجهزة الكهربائية وطريقة استخدامها اليومية، وهي عوامل تختلف بشكل واضح من محافظة إلى أخرى.
فعند مقارنة الفواتير بين المناطق، يظهر تناقض لافت فحسب تصريحات المهندس الكهربائي علاء ناصيف لـ موقع تلفزيون سوريا في بعض المحافظات تبدو الكهرباء أرخص من حيث السعر، لكن الفواتير الفعلية تكون أعلى، بينما في مناطق مثل إدلب وريف حلب، ورغم ارتفاع سعر الكيلوواط، يبقى الإنفاق أقل نسبياً. هذا التباين لا يعود إلى التسعير فقط، بل إلى مجموعة عناصر متداخلة تشمل كفاءة الأجهزة، ونمط الاستهلاك، وآلية احتساب الفواتير.
كفاءة الأجهزة… العامل الخفي في الفاتورة
تلعب الأجهزة الكهربائية دوراً محورياً في تحديد حجم الاستهلاك. في العديد من المحافظات، لا يزال الاعتماد قائماً على أجهزة قديمة تستهلك طاقة أكبر بكثير مقارنة بالأجهزة الحديثة، وذلك بسبب ضعف القدرة الشرائية وصعوبة الاستبدال.
الأجهزة القديمة، مثل البرادات أو الغسالات التقليدية، قد تستهلك أضعاف ما تستهلكه الأجهزة الحديثة المنتشرة في مناطق أخرى، ما يجعل الفاتورة ترتفع تدريجياً دون أن يلاحظ المستخدم السبب الحقيقي. ومع غياب العدادات الدقيقة أحياناً، يصبح من الصعب ضبط هذا الاستهلاك أو حتى فهمه.
الكهرباء في سوريا تتجاوز 3000 ميغاواط لأول مرة منذ سنوات
نمط الاستخدام… ضغط الاستهلاك في وقت قصير
لا يقل نمط الاستخدام أهمية عن كفاءة الأجهزة. في المناطق التي تتوفر فيها الكهرباء لساعات محدودة يومياً، يلجأ السكان إلى تشغيل معظم الأجهزة دفعة واحدة خلال فترة التغذية، ما يؤدي إلى ذروة استهلاك مرتفعة خلال وقت قصير.
هذا السلوك، رغم أنه منطقي، يرفع الحمل الكهربائي بشكل كبير، خاصة عند استخدام أجهزة عالية الاستهلاك مثل السخانات والمدافئ الكهربائية. في المقابل، في مناطق تتوفر فيها الكهرباء لساعات أطول، يتم توزيع الاستهلاك على مدار اليوم، ما يخفف الضغط ويقلل من القفزات الكبيرة في الفاتورة.
آلية الفوترة… بين الغموض والشفافية
تُعد طريقة احتساب الاستهلاك من أكثر النقاط إثارة للجدل. في بعض المناطق، يتم تقدير الاستهلاك بشكل غير دقيق أو وفق قراءات غير منتظمة، ما يؤدي إلى فواتير مرتفعة وغير متوقعة.
في المقابل، تعتمد مناطق أخرى على نظام الدفع المسبق، حيث يعرف المستخدم كمية استهلاكه بشكل مباشر، ويمكنه التحكم بها بشكل يومي. هذا الوضوح يساهم في ترشيد الاستهلاك وتجنب المفاجآت، على عكس الأنظمة التقليدية التي تفتقر إلى الشفافية.
خلاصة المشهد
ارتفاع فاتورة الكهرباء في سوريا ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تداخل عدة عناصر:
أجهزة قديمة تستهلك طاقة أكبر
نمط استخدام مكثف خلال ساعات محدودة
آليات فوترة غير دقيقة في بعض المناطق
في المقابل، تظهر تجربة إدلب وريف حلب أن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة فاتورة أعلى، إذا ترافق مع أجهزة حديثة ونظام استهلاك واضح.
ما المطلوب؟
الحل لا يقتصر على تعديل الأسعار، بل يتطلب:
تحديث الأجهزة الكهربائية تدريجياً
تحسين أنظمة القياس والعدادات
اعتماد نماذج فوترة أكثر شفافية
نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك
في ظل هذا الواقع، تبقى الكهرباء واحدة من أكبر التحديات اليومية للسوريين، ليس فقط بسبب انقطاعها، بل بسبب كلفتها المتزايدة أيضاً.
