تكثف الصين جهودها لتوسيع استخدام اليوان الرقمي داخل أسواقها المحلية وخارج حدودها، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز مكانة العملة الصينية في النظام المالي العالمي وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وشبكات المدفوعات الدولية التي تهيمن عليها المؤسسات الغربية.
وبحسب معلومات نقلتها وكالة رويترز عن مصادر مطلعة، يعمل بنك الشعب الصيني على تنفيذ حزمة من الإجراءات والحوافز التي تشجع المؤسسات المالية والمستهلكين على استخدام اليوان الرقمي في مختلف المعاملات، بدءاً من المدفوعات اليومية ووصولاً إلى الأنشطة التجارية والاستثمارية العابرة للحدود.
وتشمل هذه الجهود تشجيع البنوك على توسيع استخدام العملة الرقمية الصينية في التجارة الدولية، خاصة ضمن الدول المشاركة في مبادرة “الحزام والطريق”، حيث يجري تطوير منتجات مالية جديدة تعتمد على اليوان الرقمي، مثل القروض وخطابات الاعتماد والسندات.
ويرى مراقبون أن بكين تسعى من خلال هذه الخطوة إلى بناء بنية مالية أكثر استقلالية، تضمن استمرار حركة التجارة الخارجية في حال تعرض النظام المالي العالمي لاضطرابات أو توترات جيوسياسية قد تؤثر على تدفقات الأموال الدولية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتبنى فيه الولايات المتحدة مساراً مختلفاً في مستقبل المدفوعات الرقمية، إذ تدعم الإدارة الأميركية العملات المستقرة المشفرة، بينما ترفض إطلاق عملة رقمية رسمية للبنك المركزي للاستخدام المحلي.
كما تعزز المخاوف المرتبطة باستخدام الدولار كأداة ضغط اقتصادي من رغبة الصين في تسريع تدويل عملتها الوطنية. وتشير تقديرات مؤسسات مالية صينية إلى أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة قد تدفع المزيد من الدول والشركات إلى البحث عن بدائل للدولار في عمليات التجارة والتسويات المالية.
ورغم التوسع المستمر، لا يزال اليوان الرقمي في مرحلة النمو مقارنة بوسائل الدفع التقليدية. ووفق البيانات الرسمية، بلغت قيمة المعاملات التراكمية عبر اليوان الرقمي نحو 16.7 تريليون يوان منذ إطلاقه عام 2019، في حين تجاوزت معاملات بطاقات الدفع الصينية التقليدية مئات التريليونات من اليوانات خلال عام واحد فقط.
وفي إطار دعم الانتشار المحلي، بدأت السلطات الصينية اختبار تطبيقات جديدة تعتمد على العقود الذكية، وهي تقنيات تسمح بتنفيذ عمليات الدفع والتحويل بشكل تلقائي عند تحقق شروط محددة مسبقاً. كما تشمل التجارب استخدام اليوان الرقمي في برامج الدعم الحكومي، وتمويل سلاسل التوريد، والبطاقات المدفوعة مسبقاً، إضافة إلى مكافحة الاحتيال في التأمين الصحي ومراقبة استهلاك الطاقة الخضراء.
وتؤكد المؤشرات الأخيرة أن الحكومة الصينية تتعامل بجدية أكبر مع مشروع اليوان الرقمي، حيث وسعت عدد البنوك المرخصة للتعامل به، وأدرجت مؤشرات استخدامه ضمن معايير تقييم المؤسسات المصرفية، في خطوة تهدف إلى بناء قاعدة مستخدمين أوسع وتعزيز حضوره في الاقتصاد المحلي والعالمي.
ومع استمرار المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى على قيادة مستقبل المدفوعات الرقمية، يبدو أن اليوان الرقمي بات أحد أبرز الأدوات التي تراهن عليها الصين لتعزيز نفوذها المالي والتجاري خلال السنوات المقبلة.
