تواجه إندونيسيا، إحدى أكبر منتجي الفحم في العالم، أزمة في إمدادات الكهرباء خلال فصل الصيف، مع تسجيل انقطاعات متكررة أثرت في المنازل والشركات، رغم اعتماد البلاد على الفحم لتوليد نحو ثلثي احتياجاتها من الكهرباء.
وتأتي الأزمة في وقت تحاول فيه جاكرتا تحقيق توازن صعب بين دعم أسعار الفحم للمنتجين وضمان توفير الإمدادات اللازمة لمحطات الكهرباء، بينما تواصل البلاد خططها للتحول تدريجياً نحو مصادر الطاقة المتجددة وفقاً لـ CNN اقتصادية.
خفض إنتاج الفحم يضغط على إمدادات الكهرباء
خفضت إندونيسيا العام الماضي حصص تعدين الفحم بنحو الربع، في محاولة لدعم الأسعار وتحسين أوضاع المنتجين، إلا أن هذه الخطوة تزامنت مع ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالتوترات الإقليمية، ما أدى إلى تباطؤ إنتاج الفحم الحراري.
ورغم عودة الإنتاج إلى الارتفاع لاحقاً، فإن جهود الموردين لتعويض النقص لم تكن كافية لمنع استمرار الضغوط على سوق الكهرباء.
وتتحمل الشركات جانباً كبيراً من تداعيات الأزمة في مختلف أنحاء الأرخبيل الإندونيسي، خصوصاً أن الوقود الأحفوري يمثل نحو ثلثي إجمالي توليد الكهرباء في البلاد.
الرئيس الإندونيسي يتدخل لاحتواء الانقطاعات
دفعت أزمة الكهرباء الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى التدخل، إذ استدعى وزير الطاقة باهليل لاهاداليا، وطالب الوزارة وشركة الكهرباء الحكومية PLN بتسريع معالجة الانقطاعات التي لا تزال تسجل في عدد من المناطق.
وتكتسب استمرارية الكهرباء أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الإندونيسي، نظراً لاعتماد قطاع معالجة النيكل على محطات الفحم منخفضة التكلفة.
ويُعد النيكل من القطاعات الاقتصادية الرئيسية في إندونيسيا، كما يمثل عنصراً مهماً في سلاسل توريد الفولاذ المقاوم للصدأ والسيارات الكهربائية عالمياً.
اعتماد كبير على الفحم رغم خطط التحول للطاقة النظيفة
تكشف أزمة الكهرباء الحالية حجم اعتماد إندونيسيا على الفحم، في وقت أعلنت فيه جاكرتا خططاً للتخلص التدريجي من محطات الفحم خلال السنوات الـ15 المقبلة.
ويرى خبراء أن ضعف الاستثمار في البنية التحتية للطاقة المتجددة يزيد صعوبة هذا التحول.
وقال يوسف كريسنا، محلل تمويل الطاقة في معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي، إن قطاع الكهرباء الإندونيسي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الفحم، رغم امتلاك البلاد إمكانات واسعة في الطاقة المتجددة.
وأضاف أن التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية يمكن أن يعزز أمن الطاقة على المدى الطويل.
سياسة عمرها 17 عاماً تزيد تعقيدات سوق الفحم
ترتبط الأزمة أيضاً بسياسة تعود إلى عام 2009، تعرف باسم التزامات السوق المحلية (DMO)، وتهدف إلى ضمان توفير الفحم للسوق المحلية وحماية شركة الكهرباء الحكومية من تقلبات الأسعار.
وبموجب هذه السياسة، يتعين على شركات تعدين الفحم بيع 25% من إنتاجها إلى مشترين محليين.
لكن المشكلة تكمن في سعر الفحم المخصص لمحطات الكهرباء، إذ يبلغ سقف السعر نحو 70 دولاراً للطن المتري، وهو مستوى جرى تحديده عام 2018 وأصبح أقل بكثير من أسعار السوق الحالية.
ويرى خبراء أن الفارق بين السعر المحلي والأسعار العالمية قد يدفع بعض المنتجين إلى تحمل غرامات عدم الالتزام بدلاً من بيع الفحم في السوق المحلية.
من 790 مليون طن إلى 600 مليون طن
ازدادت الضغوط على المعروض بعدما خفضت وزارة الطاقة الإندونيسية حصة تعدين الفحم إلى 600 مليون طن، مقارنة مع 790 مليون طن في العام السابق، في خطوة هدفت إلى المساعدة في استقرار الأسعار.
وكانت الشركات الصغيرة من بين أكثر المتضررين من نقص الإمدادات، إذ أشارت رابطة المشروعات متناهية الصغر والصغيرة في إندونيسيا إلى أن الغالبية العظمى من هذه الشركات لا تمتلك مصادر كهرباء احتياطية يمكن الاعتماد عليها عند انقطاع التيار.
وقال رئيس دراسات الفحم في رابطة المتخصصين الإندونيسيين في التعدين، إف إتش كريستيونو، إن خفض حصص الإنتاج كان أحد العوامل الرئيسية وراء انقطاعات الكهرباء، إلى جانب مشكلة قديمة مرتبطة بالفارق بين أسعار الفحم وجودته.
ارتفاع تكاليف الإنتاج يزيد الضغوط
ويرى خبراء أن ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالتوترات الإقليمية ساهم أيضاً في زيادة حالات عدم الالتزام بحصص السوق المحلية.
وقال كريسنا إن إندونيسيا تمتلك بالفعل عقوبات على الشركات التي لا تلتزم بمتطلبات السوق المحلية، لكن التحدي يتمثل في ضمان تطبيق هذه القواعد ومراقبتها بشكل مستمر.
ويرى الخبراء أن الحل طويل الأجل لا يكمن فقط في تشديد الالتزام بسياسة السوق المحلية، وإنما في تقليل الاعتماد عليها من خلال تسريع مشاريع الطاقة المتجددة والتخلص التدريجي من محطات الفحم الأقل كفاءة.
الحكومة تنفي مسؤولية نقص الفحم عن الانقطاعات
في المقابل، نفت شركة PLN في وقت سابق أن يكون نقص الفحم وراء أزمة الكهرباء، وأرجعت الانقطاعات إلى مشكلات فنية في محطتين رئيسيتين بجزيرة جاوة، إلى جانب أعمال صيانة في محطة أخرى بجزيرة كاليمانتان.
كما رفضت الحكومة في البداية تحميل سياساتها المتعلقة بالفحم مسؤولية انقطاع الكهرباء.
وأشار وزير الطاقة باهليل لاهاداليا إلى أن الحكومة ستبحث إمكانية مراجعة سقف سعر الفحم.
لكن كريستيونو يرى أن أي معالجة للأزمة يجب أن تتجاوز الحلول المؤقتة، وأن تعالج الخلل الهيكلي في سوق الفحم، مشيراً إلى أن التزامات السوق المحلية تضغط بشكل كبير على ربحية شركات التعدين.
وتكشف أزمة الكهرباء في إندونيسيا في النهاية عن تحدٍ أوسع: كيف يمكن لاقتصاد يعتمد على الفحم بشكل كبير أن يضمن أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه يسرّع انتقاله نحو مصادر أكثر استدامة؟


