لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي قصة مرتبطة بأسهم شركات التكنولوجيا وارتفاع تقييماتها فقط، بل بدأت تتحول إلى رهان كبير داخل أسواق الائتمان العالمية، مع انتقال شركات التكنولوجيا ومشغلي مراكز البيانات إلى الاقتراض لتمويل خطط التوسع الضخمة.
وتحذر شركة «كيه كيه آر» (KKR)، التي تدير أحد أكبر صناديق الاستثمار المباشر والائتمان الخاص عالمياً، من تنامي تركّز المخاطر في أسواق الائتمان مع اتساع التمويل المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وتقدّر الشركة أن استثمارات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تقترب من 8 تريليونات دولار حتى نهاية العقد، في حين يمكن أن تمثل الانكشافات المرتبطة بالقطاع نحو 20% من مؤشرات السندات ذات التصنيف الاستثماري، وفق ما أوردته «فايننشال تايمز».
وفي عرض قدمته «KKR» للمستثمرين خلال سبتمبر، قدرت الشركة النفقات الرأسمالية المطلوبة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بنحو 7.6 تريليون دولار بين 2027 و2031، مقابل نحو 611 مليار دولار من الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي القائمة بالفعل.
وأوضحت الشركة أن تقديرات الإنفاق تستند إلى تجميع تحليلات صادرة عن «جيه بي مورغان» و«مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس»، إلى جانب تحليلاتها الخاصة وبيانات علاقات المستثمرين.
من طفرة الاستثمار إلى طفرة الديون
لا يكمن القلق في حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في سرعة تحول هذا الإنفاق إلى التزامات تمويلية على الشركات والأسواق.
فقد أصدرت «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أوراكل» مجتمعة نحو 220 مليار دولار من السندات خلال عام واحد لتمويل توسع مراكز البيانات، وفق بيانات جمعتها «رويترز».
ويُعد هذا الحجم من الإصدارات كبيراً بما يكفي للتأثير في تسعير بعض السندات داخل سوق السندات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري، التي تبلغ قيمتها نحو 10 تريليونات دولار.
وتشير «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن شركات الحوسبة السحابية الكبرى والكيانات المرتبطة بها أصدرت نحو 225 مليار دولار من السندات خلال النصف الأول من 2026، ما يضعها على مسار قد يقارب 400 مليار دولار خلال العام بأكمله.
ومع زيادة المعروض من الديون، بدأت بعض الشركات في دفع علاوات أعلى لجذب المستثمرين، في إشارة إلى ارتفاع المنافسة على التمويل.
الاقتراض عالي المخاطر يتوسع
وتزداد حساسية الأسواق مع انتقال جزء من التمويل إلى شرائح ائتمانية أقل جودة.
وبحسب «رويترز»، بلغ الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي في سوق التمويل عالي المخاطر الأميركية نحو 88 مليار دولار خلال 2026، مقارنة مع نحو 20 مليار دولار في مطلع 2025.
ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل تحمل مخاطر المشروعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً تلك التي لم تثبت بعد قدرتها على توليد تدفقات نقدية مستقرة.
سندات مختلفة.. ورهان اقتصادي واحد
لا يرتبط تحذير «KKR» باحتمال تعثر شركة تكنولوجية واحدة فقط، وإنما بما قد يحدث إذا أصبحت شركات الرقائق ومراكز البيانات وموردو الكهرباء وشركات الحوسبة السحابية يعتمدون جميعاً على السيناريو نفسه لنمو الطلب على الذكاء الاصطناعي.
فقد تبدو الديون موزعة على شركات وقطاعات مختلفة، لكنها قد تكون مرتبطة عملياً بمجموعة واحدة من الافتراضات المتعلقة باستمرار توسع الذكاء الاصطناعي وارتفاع الطلب على قدرات الحوسبة.
وبحسب «فايننشال تايمز»، ترى «KKR» أن الروابط بين الجهات المصدرة للديون وقنوات التمويل والبنية التحتية والأسواق النهائية أصبحت أكثر تشابكاً، ما يعني أن عدداً أكبر من الأصول الائتمانية قد يتأثر بالعوامل الاقتصادية نفسها.
وتعزز بيانات «جيه بي مورغان» هذه الصورة، إذ يشير البنك إلى أن الغالبية العظمى من الديون العامة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقع حالياً ضمن فئة التصنيف الاستثماري، بينما أصدرت أكبر خمس شركات للحوسبة السحابية نحو 180 مليار دولار حتى أغسطس.
وفي الوقت نفسه، يتوقع البنك أن يصل إجمالي إصدارات السندات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري إلى مستوى قياسي يقترب من تريليوني دولار خلال 2026.
جزء من تمويل الذكاء الاصطناعي خارج سوق السندات
ولا يظهر حجم الالتزامات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بالكامل من خلال أسواق السندات التقليدية، إذ يعتمد جزء متزايد من التمويل على عقود حوسبة طويلة الأجل، وإيجارات، وتمويل مشروعات، وكيانات ذات غرض خاص، إضافة إلى الائتمان الخاص.
وتبرز شركة «أنثروبيك» مثالاً على ذلك، إذ كشفت «رويترز» أن الشركة التزمت بما لا يقل عن 518 مليار دولار من الإنفاق على البنية التحتية والحوسبة خلال عقد.
ووفق التقرير، فإن نحو 80% من هذه الالتزامات غير قابلة للإلغاء أو يجب دفعها حتى في حال عدم استخدام القدرة المتعاقد عليها.
ولا تمثل هذه الالتزامات ديون سندات بالمعنى التقليدي، لكنها توضح كيف يمكن أن تتراكم التزامات مالية واقتصادية ضخمة خارج المقاييس المعتادة للمديونية.
البنوك المركزية تراقب مخاطر انتقال العدوى
وتجاوزت المخاوف حدود مديري الصناديق والمستثمرين، بعدما بدأ القطاع المصرفي المركزي يراقب بصورة أكبر الروابط المالية الناتجة عن طفرة الذكاء الاصطناعي.
وحذّر «بنك إنجلترا» من تسارع استخدام شركات الذكاء الاصطناعي لأسواق الائتمان العام والائتمان الخاص والتمويل بالرافعة والهياكل التمويلية المهيكلة، بوتيرة وصفها بأنها غير مسبوقة تاريخياً.
ويرى البنك أن زيادة الترابط والاعتماد على التمويل الخارجي قد توسع نطاق انتقال الصدمات إذا جاءت توقعات الطلب على الحوسبة أقل من المنتظر، أو تأخر توفير الكهرباء، أو أصبحت مراكز البيانات والرقائق قديمة بوتيرة أسرع من المتوقع.
لكن «بنك إنجلترا» أشار أيضاً إلى أن حجم الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كان لا يزال محدوداً نسبياً في بداية 2026، ولم تظهر حتى الآن أدلة قوية على أن هذا التمويل يزاحم بقية الشركات في أسواق رأس المال.
هل يتحول التنويع إلى تعرض للرهان نفسه؟
رغم اتساع التمويل، يظل كبار المقترضين في طفرة الذكاء الاصطناعي في الغالب من الشركات التي تتمتع بميزانيات وتصنيفات ائتمانية قوية، لذلك لا تبدو الصورة حتى الآن شبيهة بأزمة ائتمان تقليدية.
لكن استمرار إصدارات الديون بالمعدلات الحالية قد يغير طبيعة المخاطر بالنسبة للمستثمرين.
فشراء صندوق واسع للسندات بهدف تنويع المحفظة قد يعني، بصورة غير مباشرة، زيادة التعرض لشركات وقطاعات تعتمد على المحرك الاقتصادي نفسه: استمرار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها.
وبذلك، تنتقل قصة الذكاء الاصطناعي تدريجياً من سباق على الرقائق ومراكز البيانات إلى اختبار أوسع لقدرة أسواق الائتمان على تمويل هذه الطفرة، مع بقاء السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرة الاستثمارات الضخمة على التحول في النهاية إلى تدفقات نقدية تبرر حجم الاقتراض.






