أصدر مصرف سوريا المركزي القرار رقم (748/ل أ)، المتضمن ضوابط جديدة لتنظيم تسعير العمولات والرسوم التي تتقاضاها المصارف مقابل الخدمات والمنتجات المصرفية، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية والعدالة في التعامل مع العملاء، وربط قيمة الرسوم بالتكاليف الفعلية للخدمات المقدمة.
ويضع القرار إطاراً موحداً لسياسات التسعير والإفصاح والرقابة على العمولات المصرفية، كما يحدد المحظورات التي يتعين على المصارف الالتزام بها، إلى جانب منحها مهلة لتوفيق أوضاعها مع التعليمات الجديدة.
المصارف المشمولة بالقرار وتعريف العمولات
يشمل القرار جميع المؤسسات المالية المصرفية المرخصة للعمل في الجمهورية العربية السورية والخاضعة لإشراف ورقابة مصرف سوريا المركزي.
وعرّف القرار العمولات والرسوم بأنها جميع المبالغ التي يقتطعها المصرف من العميل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مقابل تقديم أي خدمة أو منتج مصرفي، بغض النظر عن التسمية المستخدمة، بما في ذلك رسوم إدارة الحسابات وتكاليف الخدمات والاشتراكات الدورية.
كما ألزم المصارف بإعداد ما سماه «مصفوفة العمولات»، وهي وثيقة رسمية تتضمن جميع الرسوم والتكاليف المرتبطة بالخدمات المصرفية، مع توضيح أسس احتسابها وشروط استحقاقها.
واستثنى القرار رسوم خدمات الدفع الإلكتروني، سواء المقدمة عبر أنظمة الدفع أو مزودي الخدمات، على أن تخضع لتنظيمات وتعليمات مستقلة يصدرها المصرف المركزي لاحقاً.
لكن هذا الاستثناء لا يشمل الخدمات المصرفية التقليدية لمجرد إتاحتها عبر القنوات الإلكترونية، ما لم تكن العمولة مرتبطة بخدمة دفع إلكتروني خاضعة لتنظيم مستقل.
سياسات مكتوبة لتحديد العمولات المصرفية
ألزم القرار المصارف بوضع واعتماد سياسات وإجراءات مكتوبة ومفصلة لتحديد العمولات والرسوم، تتضمن المعايير المعتمدة في التسعير ومنهجية احتساب تكلفة كل خدمة، بما يشمل التكاليف المباشرة وغير المباشرة.
ويتعين أن توضح هذه السياسات مكونات السعر النهائي، سواء كان مبلغاً مقطوعاً أو نسبة مئوية أو قيمة متغيرة، إضافة إلى تحديد الخدمات والإجراءات التشغيلية المرتبطة بكل عمولة ومراحل تنفيذها.
كما يجب أن تتضمن آلية للمراجعة الدورية، وتوثيق أسباب أي تعديل على الأسعار، مع تحديد الصلاحيات والمسؤوليات الداخلية المتعلقة باعتماد العمولات وتغييرها.
وطالب القرار بإرفاق ملحق فني تفصيلي بهذه السياسات، يوضح تعريف كل عمولة والخدمة المقابلة لها وطريقة احتسابها ومكونات سعرها، على أن تزود المصارف مفوضية الحكومة لدى المصارف بالسياسات وملاحقها وأي تعديلات لاحقة خلال مدة أقصاها شهر من نفاذ القرار.
معايير جديدة لضبط تسعير الخدمات المصرفية
حدد القرار مجموعة من المعايير التي يجب مراعاتها عند تحديد العمولات، أبرزها أن تكون الرسوم مبررة اقتصادياً ومتناسبة مع طبيعة الخدمة وتكاليفها الفعلية، دون مبالغة أو تحميل العملاء أعباء لا تستند إلى مبررات تشغيلية واضحة.
وشدد على ضرورة تحقيق العدالة والشفافية بين العملاء، وأن تشمل العمولة المعلنة جميع مراحل وإجراءات تقديم الخدمة، بما يمنع فرض رسوم إضافية أو فرعية تحت مسميات مختلفة مقابل الخدمة ذاتها.
كما حظر تقاضي عمولات منفصلة عن الخدمات التي تشكل جزءاً أساسياً ومتكاملاً من الخدمة الأصلية، مع إلزام المصارف بالإفصاح مسبقاً عن تكاليف الجهات الخارجية المستقلة وآلية احتسابها.
وفي ما يتعلق باستقرار الأسعار، أوجب القرار عدم تعديل العمولات بصورة متكررة دون مبررات موضوعية، مع تشجيع استخدام القنوات والأدوات الإلكترونية من خلال تقديم أسعار تفضيلية للخدمات المنفذة عبرها مقارنة بالوسائل التقليدية، متى كان ذلك ممكناً من الناحية التشغيلية.
وترك القرار تحديد شكل العمولة، سواء كمبلغ ثابت أو نسبة مئوية أو وفق آلية أخرى واضحة، لطبيعة الخدمة المقدمة.
حظر رسوم على الحسابات وتوطين الرواتب
تضمن القرار محظورات مباشرة على المصارف، أبرزها منع فرض أو تسجيل أي عمولة على الحسابات الجارية لمجرد عدم توافر رصيد كافٍ فيها، إذا كان من شأن ذلك إنشاء رصيد مدين على العميل دون تقديم خدمة فعلية أو وجود أساس تعاقدي مشروع ومعلن.
كما منع تقاضي أي عمولة لا تقابل خدمة فعلية، أو لا تستند إلى موافقة مسبقة من العميل عندما تكون الخدمة اختيارية، أو تفتقر إلى أساس تعاقدي أو تنظيمي واضح.
وحظر كذلك استخدام مسميات مختلفة، مثل رسوم إدارة الحساب أو رسوم الخدمة أو الاشتراك، للتحايل على الضوابط أو تحصيل مبالغ مقابل خدمات لم يتم تقديمها.
ومن أبرز ما نص عليه القرار منع المصارف بشكل قاطع من تقاضي أي عمولات أو رسوم، مباشرة أو غير مباشرة، من العامل أو جهة العمل مقابل:
فتح الحسابات اللازمة لتوطين الرواتب.
استقبال ملفات الرواتب.
تحويل الرواتب أو إيداعها.
صرف الرواتب للعملاء.
واستثنى القرار الخدمات المصرفية المستقلة التي يطلبها العميل بإرادته، ولا تدخل ضمن الخدمات الأساسية لتوطين الراتب، شريطة الإفصاح المسبق عن تكلفتها والحصول على موافقة العميل، وألا يكون الحصول عليها شرطاً للاستفادة من خدمة توطين الراتب.
شروط واضحة للاشتراكات وباقات الخدمات المصرفية
وضع القرار ضوابط محددة للباقات المصرفية، إذ ألزم المصارف بتوضيح الخدمات التي تتضمنها كل باقة، وقيمة الاشتراك أو العمولة، ودورية استحقاقها والمدة التي تغطيها.
كما اشترط الإفصاح المسبق عن الخدمات والرسوم غير المشمولة في الباقة، والحصول على موافقة صريحة من العميل قبل الاشتراك، مع حظر إدراج الباقات تلقائياً ضمن الحسابات المصرفية.
ويتعين أيضاً تمكين العملاء من الاطلاع على شروط الاشتراك وآليات إلغائه أو تعديله.
وفي ما يخص عمولة «إدارة الحساب»، حصر القرار استخدامها بالاشتراك في باقة مصرفية محددة وواضحة، مقابل خدمات فعلية مشمولة فيها وبموافقة مسبقة من العميل، ومنع استخدامها لفرض رسوم دورية لمجرد الاحتفاظ بالحساب.
إلزام المصارف بالإفصاح قبل فرض أي رسوم
أكد القرار ضرورة إبلاغ العملاء بجميع العمولات والرسوم والتكاليف التي قد يتحملونها مقابل الخدمات والمنتجات المصرفية، بصورة واضحة ومفهومة، وذلك قبل البدء بتنفيذ الخدمة أو إبرام العقد، وفقاً لطبيعة كل خدمة.
كما ألزم المصارف بنشر مصفوفة العمولات المحدثة في أماكن بارزة داخل الفروع، وعلى مواقعها ومنصاتها الإلكترونية الرسمية، بما يتيح للعملاء الاطلاع عليها بسهولة.
وفي حال إجراء أي تعديل على الرسوم، يتعين إشعار العملاء مسبقاً قبل بدء تطبيقه بمدة لا تقل عن خمسة أيام عمل، عبر القنوات المعتمدة لدى المصرف.
وحظر القرار تطبيق أي تعديل على العمولات بأثر رجعي، مع مراعاة الأحكام التعاقدية النافذة المتعلقة بالخدمات والمنتجات القائمة.
إخطار مفوضية الحكومة بأي تعديل على العمولات
ألزم القرار المؤسسات المصرفية بتزويد مفوضية الحكومة لدى المصارف بمصفوفة العمولات المعتمدة، مرفقة بالسياسات والملحق الفني التفصيلي، عبر البريد الرسمي والربط الشبكي المعتمد مع مصرف سوريا المركزي، أو أي وسيلة أخرى تحددها المفوضية.
كما اشترط إخطار المفوضية مسبقاً بأي تعديل مقترح على مصفوفة العمولات قبل تطبيقه، مع تقديم المبررات الكمية والاقتصادية والتشغيلية التي تستند إليها التغييرات.
ويجب أن يتضمن الإخطار تفاصيل العمولة أو الرسم المطلوب تعديله، وقيمته الحالية والقيمة المقترحة ونسبة التغيير، وأسباب التعديل، وانعكاساته على العملاء والخدمات المعنية، إضافة إلى موعد التطبيق المقترح.
وأكد القرار أن تقديم الإخطار لا يعفي المصرف من الالتزام بالمعايير المحددة، ولا يحد من الصلاحيات الرقابية والتنظيمية لمصرف سوريا المركزي.
رقابة مصرفية ومهلة شهر لتوفيق الأوضاع
منح القرار مفوضية الحكومة لدى المصارف مسؤولية متابعة تنفيذ التعليمات ومراجعة سياسات التسعير ومصفوفات العمولات ومدى توافقها مع الضوابط الجديدة.
وتشمل صلاحيات المفوضية طلب البيانات والإيضاحات والمستندات من المصارف، ومطالبتها بإعادة دراسة أو تبرير أي عمولة غير متوافقة مع التعليمات، فضلاً عن إلزامها بتعديل الرسوم أو الممارسات المخالفة خلال المهل المحددة.
كما تتولى المفوضية متابعة التزام المصارف بمتطلبات الإفصاح والشفافية، على أن تستجيب المؤسسات المصرفية لمطالبها وتنفذها ضمن المواعيد المقررة.
وفي ما يتعلق ببدء تطبيق التعليمات، ألزم القرار جميع المؤسسات المالية المصرفية بتوفيق أوضاعها وسياساتها وإجراءاتها ومصفوفات العمولات، وتقديم التعديلات المطلوبة إلى مفوضية الحكومة خلال مدة أقصاها شهر واحد من تاريخ نفاذه.
وبحسب المادة الحادية عشرة، يدخل القرار رقم (748/ل أ) حيز التنفيذ اعتباراً من تاريخ صدوره في 5 تشرين الثاني 2026، على أن تُلغى بعد انتهاء مهلة توفيق الأوضاع الأحكام والتعليمات والقرارات السابقة الصادرة عن مصرف سوريا المركزي والمتعارضة مع أحكامه، في حدود التعارض، مع مراعاة التشريعات الأعلى مرتبة.


