تحت عنوان"زيادة رواتب" عرضت لوحة درامية في عام 2008 من مسلسل "بقعة ضوء" بجزئه السادس الذي قدم الواقع السوري على طبق ساخر، وأصبحت تلك الحلقة من أفضل المقاربات التي تصور حال الموظفين السوريين اليوم.
أظهرت اللوحة موظف وعائلته في دولة أجنبية يحتفلون بعد سماعهم بخبر الزيادة، وكيف بدأ الموظف بتغيير نظام أسرته بعد ذلك القرار السعيد. حيث زاد عدد رحلاتهم الاستجمامية ونوّع نشاطاتهم الترفيهية مع زوجته وأبنه الوحيد.
لينتقل المشهد بعدها إلى عالم موازٍ من الجهة الثانية للكرة الأرضية حيث ظهرت امرأة سورية تصرخ حزناً بعدما أخبرها زوجها بزيادة الرواتب، نظراً لما سيترتب على القرار من ارتفاعات كبيرة على جميع السلع.
تقرر العائلة السورية أن تحذف مادة اللحم من طعامهم الشهري، بعد أن كانوا يستهلكون “ربع وقية” خلال الشهر، ويوصي الزوج بالترشيد باستخدام الزيت والسمنة، والتركيز على تناول الحشائش التي قد تنجو من موجة الأسعار الجديدة.
وللأسف، تلك اللوحة الساخرة تعكس اليوم حال السوريين بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية لأضعاف مضاعفة كالعادة على أثر الزيادة الأخيرة للرواتب، وما زاد الطين بلة هو الارتفاع الكبير لأسعار المحروقات منذ بداية العام.
حيث ارتفع المازوت المدعوم بنسبة 185.7% والمازوت الحر بنسبة 137% والبنزين أوكتان زاد بنسبة 155% والفيول بنسبة 732%.
ومنذ شهر أيار حتى تاريخ اليوم، تم رفع سعر طن الفيول لأكثر من 600%، حيث كان سعر الطن 1.4 مليون ليرة في 14 أيار الماضي ووصل اليوم إلى 8.5 مليون ليرة.
ودائماً ما يرافق ارتفاع أسعار الوقود في سوريا ارتفاع أسعار جميع السلع الأخرى في السوق وارتفاع أجور الخدمات عامة، وهي لا تتناسب حتماً مع الزيادة في الأجور والرواتب، إذ تشير دراسات أجرتها صحيفة قاسيون المحلية، إلى أن حاجة الأسرة المكونة من 5 أفراد تصل إلى 6.5 ملايين ليرة للعيش بصورة مقبولة نسبياً.
وأمام الغلاء الفاحش، يجد معظم السوريين رواتبهم لا تكفي لسد تكاليف 20 بالمئة من الاحتياجات الأساسية والغذاء، ومع ذلك، يبدو أن هناك حالة من عدم اكتراث من قِبل الجهات الحكومية، بما يمكن أن يفعله المواطن للتّكيف مع الأسعار الجديدة، فالحكومة تكتفي بقرارات رفع الأسعار وتترك المواطن إلى مصيره.
منذ أشهر قليلة كانت علبة زيت الزيتون ذات الحجم الصغير (ربع ليتر) بـ10 آلاف ليرة سورية فقط، واليوم تباع هذه العبوة بـ 30 ألفاً، ويختلف سعرها من متجر لآخر وفق حسابات صاحب المتجر.
أما علبة الزيت النباتي فسعرها 33 ألف ليرة بعد أن كانت بـ17 ألفاً منذ شهر، وكيلو الرز التايلندي كان يباع قبل شهر بـ9 آلاف ليرة واليوم أصبح سعره 17 ألفاً و500 ليرة، أما الرز البسمتي ارتفع من 14 ألف ليرة إلى 32 ألفاً للكيلو الواحد، السكر بدوره تضاعف سعره من 7500 ليرة إلى 14 ألفاً، والبرغل أصبح بـ11 ألفاً بعد أن كان 5000 ليرة.
وارتفع سعر المتة 250 غراماً من 9 آلاف إلى 18 ألفاً، وهذا الارتفاع طال البيض أيضا حيث ارتفع سعر البيضة الواحد إلى 1800 ليرة سورية، بارتفاع بلغ نحو 80 بالمئة، مقارنة بأسعار الشهر الماضي.
وارتفع سعر ربطة الخبز السياحي، من 4 إلى 8 آلاف ليرة سورية، وعلبة اللبنة من 12 إلى 19 ألف، في حين وصلت علبة الخمسة كيلو غرامات منها إلى 75 ألف، بعد أن كانت بـ 45 ألف وعلبة الحلاوة الكيلو من 30 إلى 60 ألف.
الحليب الذي كان يباع الكيلو منه بعشرة آلاف أصبح بـ14 ألف ليرة سورية، فيما تضاعف سعر صحن البيض من ثلاثين ألفاً إلى ستين ألف ليرة، والخبز لم ينجُ من هذا الارتفاع فربطة الخبز السياحي التي كانت تباع بـ 6 آلاف أصبحت بـ 10 آلاف ليرة، والربطة العادية تباع 6 آلاف ليرة خارج الفرن.
من جهتها، فإن أسعار مواد التنظيف ارتفعت بشكل فاق زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية من دون معرفة السبب، فمسحوق الغسيل (2 كيلو غرام) الذي كان يباع قبل شهر بـ20 ألفاً ارتفع الآن ليصبح بـ40 ألف ليرة. سعر قطعة الصابون الواحدة نوع (زهر الزيتون) والذي يعتبر أرخص الأنواع، ثلاثة آلاف ليرة بعد أن كانت الصابونة بألف ليرة، والأنواع الأخرى أغلى سعراً لتصل لعشرة آلاف.
الشامبو أيضاً تبدأ أسعاره من الـ25 ألفاً لتصل إلى خمسين أو ستين ألفاً بحسب النوع والحجم، لكن لا يمكن الحصول على علبة شامبو بأقل من ذلك.
ارتفاع الأسعار لم يوفّر حرفيا، أيّا من المواد الأساسية الاستهلاكية في البلاد، فحتى الخضار والفواكه نالها نصيب من ارتفاع الأسعار خلال أيام قليلة وأصبح أقل نوع لا يقل سعر الكيلو عن 4 آلاف ليرة.
الخبير الاقتصادي، جورج خزام، أكد لموقع "بزنس2بزنس"، أن رفع أسعار المحروقات هو إشارة الإنطلاق لرفع جميع أسعار البضائع الوطنية والمستوردة، مشيرا إلى أن المنتجات الزراعية هي الأكثر تأثراً بارتفاع المحروقات نظراً لأن حراثة الأرض و مضخات الري و نقل المنتجات كلها سوف تزداد تكاليفها بنسبة عالية يدفع ثمنها المستهلك الأخير.
وأضاف خزام، أن ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبط بارتفاع أسعار المحروقات يعني زيادة تكلفة المنتج الوطني، وعدم القدرة على منافسة المستوردات بالجودة و السعر وتراجع الصادرات ، وبالتالي زيادة البطالة والكساد وتراجع العرض من الدولار.
وأكد أن ارتفاع الأسعار يعني تراجع كمية السلة الغذائية التي أصبح يشتريها المواطن، مضيفا: هذا هو الأكثر خطورة لأن تهديد حياة المواطن وتهديد الأمن الغذائي وتراجع مستوى الصحة العامة له أضرار اجتماعية كبيرة أولها زيادة انتشار الجريمة والفساد وانهيار معايير الأخلاق في تحصيل الدخل.
