استكمالاً للتحليل الوصفي لنتائج أعمال المصارف الخاصة العاملة في السوق السورية عن فترة التسعة أشهر المنتهية في 30 أيلول الماضي، نستعرض اليوم نتائج تحليل العوامل والمؤثرات على البيانات المالية والذي يفسر حقيقة الأرقام الواردة فيها والتي نشرناها اعتماداً على ما ورد حرفياً في التقارير المالية المنشورة في موقع سوق دمشق للأوراق المالية وهيئة الأوراق والأسواق المالية، لنبين في هذا المقال أسباب تلك الارتفاعات، وما إذا كانت ارتفاعات حقيقية ناجمة عن اتساع النشاط التشغيلي للقطاع أم مجرد تضخم للأرقام ناجمة عن تغيرات أسعار الصرف.
والبداية من إيداعات الزبائن التي كشفنا أنها ارتفعت بحوالي 40% خلال تسعة أشهر من خلال معالجة البيانات المالية لـ14 مصرفاً خاصاً عاملاً في السوق السورية، الأمر الذي اعتبرناه مثيراً للاهتمام. وبينما لم تذكر تقارير مفتشي الحسابات لبعض المصارف سبب هذا الارتفاع،
ووفقا لصحيفة "الوطن" المحلية فقد أكدت بعض التقارير الأخرى أن أغلب هذا الارتفاع كان ناجماً عن ارتفاع أسعار الصرف الأجنبية أمام الليرة وهذا ما أكده مصرفيون مختصون بهذا الشأن.
وهو سعر الصرف، نلاحظ أن الليرة السورية قد فقدت أكثر من 55% من قيمتها خلال الفترة الممتدة بين 31 كانون الأول 2012 و30 أيلول 2013، حيث بلغ سعر الدولار المعتمد في تقييم الأصول الأجنبية للمصارف في نهاية العام الماضي بحدود 77.4 ليرة سورية، مقابل 174.12 ليرة في نهاية أيلول الماضي، أي يكون الدولار- من زاوية أخرى- قد سجل ارتفاعاً أمام الليرة بحدود 125%، وهذا ما أكدته مصادر مصرفية رفيعة المستوى.
ومن خلال قراءة هذه الأرقام يمكننا أن نستنتج بأن الارتفاع بحدود 40% في الإيداعات تكون ناجمة بشكل رئيسي عن ارتفاع قيمة إيداعات القطع الأجنبي وخاصة الدولار بحدود 125%، في ظل ثبات ودائع الليرة في الدفاتر كأرقام (وليس كقوة شرائية) مع الإشارة إلى صعوبة التأكد من نسبة إيداعات القطع الأجنبي من إجمالي الإيداعات لكون البيانات المالية للمصارف لا تفرق بين الودائع بالليرة وبالقطع الأجنبي في البيانات المالية، وإنما تعرض إجمالي ودائع الزبائن مقيماً بالليرة السورية.
ونفس الأمر من حيث أثر سعر الصرف ينسحب على نمو إجمالي موجودات المصارف بنسبة 45% تقريباً، وخاصة أن المصارف تعيد استخدام إيداعات الزبائن في إعادة إيداعها في المصارف الأخرى، وبالقطع الأجنبي بصورة رئيسية.
وهكذا نستنتج أن الازدياد والنمو في أرقام الموجودات والإيداعات ما هي في أغلبها إلا تضخم رقمي ناجم عن تحرك أسعار الصرف بسبب انخفاض قيمة الليرة، وهذا سوف يؤدي إلى تغير الأرقام كلياً في نهاية العام الجاري بعد تحسن الليرة فيما لو استمر هذا الوضع حتى نهاية يوم 31 كانون الأول 2013.
وذكرت المصادر المصرفية أن السبب الأساسي في خسارة المصارف الخاصة بحدود 8 مليارات ليرة في الربع الثالث كان انخفاض الدولار قرابة 11 ليرة في الفترة بين نهاية حزيران ونهاية أيلول 2013.
أما عن انخفاض صافي التسهيلات الائتمانية بنسبة 12.5% فهو ناجم عن تسديدات بعض الزبائن لقروضهم، مع توقف المصارف عن منح التسهيلات الائتمانية نظراً لارتفاع معدلات المخاطرة ودرجات التعثر المالي إثر الظروف الراهنة. ولكن بعد أخذ أثر سعر الصرف بعين الاعتبار وارتفاع الدولار أمام الليرة خلال التسعة أشهر المنتهية في 30 أيلول الماضي نجد أن النسبة الحقيقية لانخفاض التسهيلات الائتمانية تتجاوز 12.5% وربما تصل إلى 25% وفق تقديرات مصادر مصرفية ضليعة بالعمل المصرفي بالسوق السورية، لأن القروض المقدمة بالقطع الأجنبي وخاصةً بالدولار قد ارتفعت قيمتها 125% مع ارتفاع الدولار بنفس النسبة، مع مراعاة نسبة القروض المقدمة بالدولار من إجمالي القروض، وهذا الارتفاع يقلص معدل تراجع التسهيلات الائتمانية لأنه يضخم الرقم الإجمالي للتسهيلات بما فيها بالليرة والقطع الأجنبي.
في النهاية نستنتج أن أرقام زيادة إيداعات الزبائن والموجودات وتلطيف انخفاض التسهيلات الائتمانية إنما ناجمة عن أثر تحرك أسعار الصرف الأجنبي وخاصة الدولار نتيجة انخفاض قيمة الليرة السورية خلال التسعة أشهر المنتهية في 30 أيلول 2013، وهذه الأرقام مرجحة للانخفاض مع استمرار تحسن الليرة واستقرارها، ولمزيد من الارتفاع مع عودة أسعار الصرف إلى الارتفاع، مع ترك هامش لتغير الأرقام فيما لو استجدت أمور على المستوى التشغيلي للمصارف الخاصة، كما لا يمكننا نفي وجود أثر للنشاط التشغيلي ولو محدوداً في تحسن أرقام الموجودات والإيداعات.
