شكلت ثورة الثامن من آذار نقلة نوعية واستجابة حقيقية لمتطلبات النضال الجماهيري في تلك المرحلة، ومنذ ذلك الوقت بدأت سورية تتحول إلى دولة ذات قوة سياسية واقتصادية لها قرارها المستقل في جميع مجالات الحياة، وحققت سورية بعد قيام ثورة آذار نقلة مهمة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وتحولاً في بنية الاقتصاد الوطني.
إن سورية ومنذ قيام ثورة آذار بدأت تشهد حركة نهوض صناعي، فأنشأت المعامل وأسست البنى التحتية التي مهدت لدولة مصدرة للغذاء بعد أن كانت مستوردة له، كذلك مصدرة للعديد من المنتجات، وبعدها تسارعت عجلة النمو الاقتصادي الذي بات يخدم هدف تحسين المستوى المعيشي للمواطن.
وفي إطار الإعداد لمشروع الموازنة العامة للدولة فقد راعت الدولة منذ عام 1963 مسألة تسارع النمو الاقتصادي ليخدم مبدأ الاعتماد على الذات في اتخاذ جميع القرارات التي تخدم مناحي الحياة كافة وتطويرها، وخاصة في مجال تطوير البنى التحتية التي تؤهل لعملية تحديث شاملة للقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية، ففي العام 1970 بدأت سورية تطبيق الموازنة العامة الموحدة للدولة، طبقاً للقانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم رقم /92/ لعام 1967، فحتى ذلك التاريخ كانت الموازنة العامة تتوزع إلى عدة موازنات، منها الموازنة الجارية (العادية)، الموازنة الانمائية، الاستثمارية، والموازنات الملحقة والمستقلة، ومع توسع ملكية الدولة للأنشطة الاقتصادية الرئيسة بنتيجة التأميم وخطط التنمية التي خصصت الدولة من خلالها ميزانيات إنمائية لتوسيع القطاع العام، وبنتيجة تطبيق النهج الاشتراكي، فقد رأت الدولة آنذاك ضرورة الأخذ بمبدأ وحدة الموازنة العامة للدولة، وصدر القانون المالي الأساسي. وبدأت الموازنة العامة للدولة بالتطور عبر زيادة الاعتمادات المخصصة لتنفيذ المشاريع الاقتصادية بمختلف أنواعها وتوجهاتها، فعلى سبيل المثال بلغ مجموع اعتمادات الموازنة لعام 2009 أكثر من 685 مليار ليرة سورية مقابل 600 مليار ليرة سورية عام 2008 بنسبة زيادة حوالي 2ر14 بالمئة وبلغت اعتمادات الموازنة الجارية فيها 410 مليارات ليرة سورية مقابل 370 مليار ليرة سورية عام 2008 كما بلغت اعتمادات الموازنة الاستثمارية 275 مليار ليرة سورية مقابل 230 مليار ليرة سورية عام 2008 وذلك بنسبة زيادة قدرها 56ر19 بالمئة وتشكل الاعتمادات الاستثمارية ما نسبته 14ر40 بالمئة من موازنة عام 2009 بينما كانت تشكل حوالي 33ر38 بالمئة في موازنة عام 2008.
ومنذ ذلك الحين بدأت سورية بتهيئة الأرضية المناسبة التي تمكنها من الدخول إلى اقتصاد السوق فأصدرت القوانين والقرارات اللازمة وعدلت في بعضها الآخر لتكون أكثر ملاءمة للتوجه الاجتماعي لاقتصادنا وحررت أكثر من 70 بالمئة من المواد، واستكمالاً لهذا التوجه أصدرت الحكومة أكثر من مئتي قرار لتسهيل إجراءات الاستيراد ونحو خمسة قرارات لتشجيع التصدير وحماية المستهلك كما أصدرت مجموعة من القوانين الاقتصادية التي من شأنها تفعيل تلك القرارات منها القانون رقم 2 لحماية المستهلك والقانون رقم 3 الخاص بالشركات والقانون رقم 7 الخاص بالمنافسة ومنع الاحتكار والقانون رقم 11 الذي يبين الحقوق الفنية التي يحق لغير السوريين اكتسابها في سورية وتداول الغذاء المحلي والمستورد والمعد للتصدير وإدخال الممارسات الجيدة لتصنيع وإنتاج الغذاء وتقييم المخاطر والمعايير الدولية.
أما اليوم، تحاول الحكومة السورية اتخاذ قرارات إسعافية من شأنها ترميم الوضع الاقتصادي الحالي، وذلك عبر زيادة الاعتمادات المرصودة في الموازنة، هذا الوضع الذي نجم عن الحرب الكونية التي تتعرض لها، وخسارتها للعديد من المنشآت والمعامل وتدمير البنى التحتية من قبل العصابات الإرهابية المسلحة، حتى وصلت الموازنة إلى 1554 مليار ليرة سورية بزيادة قدرها 164 مليار ليرة عن موازنة عام 2014، وبلغت اعتمادات العمليات الجارية المقدرة في مشروع الموازنة 1144 مليار ليرة سورية بزيادة قدرها 134 مليار ليرة عن موازنة عام 2014 فيما قدرت الاعتمادات المخصصة للعمليات الاستثمارية بمبلغ 410 مليارات ليرة سورية بزيادة قدرها 30 مليار ليرة عن موازنة العام الحالي في حين قدرت كامل نفقات الدعم الاجتماعي بمبلغ 983.5 مليار ليرة سورية بزيادة قدرها 368.5 مليار ليرة سورية عن الاعتمادات المخصصة لهذا الدعم عن موازنة العام الجاري.
تشرين
