جميع الدول تقريباً بما فيها الولايات المتحدة الأميركية تستخدم ما يسمّى بالـ"fiat money "والتي هي، وحسب قاموس المصطلحات النقدية، «عملة لا طائل منها وتستخدم وسيلة للتبادل». اما تاريخها فيندرج مع «بريتون وودز» الذي نظم عملية شراء وبيع الذهب الى الخزانة الأميركية على أساس ٣٥ دولارا للأونصة الواحدة وانتهى في العام ١٩٧١ مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون حيث أوقف العمل بهذه المعادلة ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الذهب يستخدم في الإقتصادات الكبرى.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو كيف يجري الحديث عن تغطية ذهبية في حين أن الدول الأكبر اقتصاداً في العالم ليس لديها ما يُسمّى بالتغطية الذهبية والدولار على سبيل المثال. قد تكون التغطية الفعلية لهكذا اقتصادات هي ناتج محلي واستثمارات ومعدلات الإدخار وقرارات التوظيف والأجور والديون السيادية والإسكان…
لذلك، ومنذ ١٩٧١ رفضت حكومة الولايات المتحدة الأميركية الإعتراف بالمعادن الثمينة محل المال هذا مع العلم ان البيانات المالية للحكومة الأميركية تُظهر انها تحتفظ بـ٢٦١،٤٩٨،٩٠٠ أونصة من الذهب، كذلك بالنسبة للحكومة البريطانية فهي تحتفظ بما قيمته ٢٥٩،٥ مليار جنيه.
هذا للقول ان عددا قليلا من الدول ما زالت تحتفظ بالذهب مقارنة بعرض النقود. ولبنان يعتبر من الاستثناءات. واستناداً الى إحصاءات مصرف لبنان تبلغ قيمة احتياطي الذهب ما يعادل حوالي ٥٠٪ من أموال الدولة مع مبلغ إضافي قدره ٣٠ بليون دولار من احتياطات النقد الأجنبي، بالاضافة الى عدد من الشركات المملوكة للدولة والتي يمكن تخصيصها من اجل توليد المزيد من الإيرادات.
تكمن مشكلة لبنان الرئيسية في كون ديونه تتعدى الناتج المحلي بما يزيد عن ١٠٠٪ وهذا ما يعطي الذهب قيمة اضافية، وهي قيمة معنوية علماً انه يمكن صرفها في حال ازداد الضغط على العملة والإقتصاد وتمادت الديون المتوجبة على الدولة. يبقى السؤال كيف يمكن تحديد قيمة العملة السوقية سوى من خلال العرض والطلب أوالمصارف المركزية التي تصدرها.
في المطلق، العملة ترتبط بعامل الثقة بدولة ما، وبسياسة مصرف مركزي وبإقتصاد اظهر استمرارية ونموا ومرونة، وهذا ما ينطبق في الواقع على الدولار الأميركي واليورو. وتتمتّع السياسة النقدية بتأثير قوي على احتياطي النقد الأجنبي اذ ان معظم الإقتصادات الكبرى، والتي تتمتع بمرونة سعر الصرف او لديها خطط واضحة تتجاوز العرض والطلب، يمكنها ان تتطلع الى التحرّك وزيادة قيمة عملتها من خلال شراء العملة الوطنية باستعمال احتياطي النقد الأجنبي.
لذلك، تستخدم البلدان احتياطها لأسباب عديدة وهي مؤشر هام على قدرة تسديد الديون الخارجية والدفاع عن العملة الوطنية، كذلك تحديد تصنيف الإئتمان السيادي. وتمتلك كل من الصين واليابان وروسيا اكبر حجم من العملات الإحتياطية.
هذا في العموم، في ما يختص بالذهب والعملات الإحتياطية. ويبقى القول ان طباعة العملة ثقة بالمركز الأول والتمادي في طباعتها (التيسير الكمي من ضمنها) يؤدي في بعض الأحيان الى تسهيل عمليات مالية، علماً انه وفي بعض الأحيان يساعد على زيادة التضخم مما ينعكس إيجابياً على سوق العمل – وهنا يلعب البنك المركزي في جميع الدول دوراً ريادياً في توجيه السياسة النقدية للبلد، وتحصين سعر صرف العملة وزيادة الإحتياط الضروري، والتدخل عندما يتمادى المضاربون في التحرّك ضمن السوق الداخلي، كما كانت الحال في التسعينات عندما سقطت حكومة الرئيس كرامي وجاءت حكومة الرئيس الحريري.
اما في ما يختص في بطاقات الإئتمان فينطبق عليها ما ينطبق على العملة الورقية علماً أنها مرقّمة وهيكليتها واضحة، ويمكن تعقب عملياتها بطريقة مرنة تخدم المصالح الوطنية ولا تضر بالقطاعات او يتأذى منها- ويمكن ملاحقتها وتعقبها- بالمختصر. المال له قيمة لأن الناس يعتقدون انه باستطاعتهم تحويل الأموال الى سلع وخدمات مستقبلية وهو ليس فقط مجرد قطعة من الورق او ارقام في دفاتر حسابات. وكما ذكرنا لم يعد المال كما في السابق يستند الى معيار الذهب او الفضة او مزيج من الإثنين.
أما ما يتحدثون به الآن عن عمليات صرف جديدة لا دخل للمصارف فيها، فهي جديرة بالإهتمام، سيما ان الوسيط غير موجود- اي المصرف- وإنها عملات مجهولة المصدر رغم انها قد تتميز بأنها لا ترتبط بأي دولة او خاضعة لأي قانون، وهذا بالفعل ما يضع علامة استفهام كبيرة عليها وعلى مصداقيتها وعلى قيمتها المستمدة من العدم.
وقد تكون الـ Bitcoin هي احدى هذه العملات التي صدرت في العام ٢٠٠٩ على يد رجل مشهور ذات اسم مستعار هو Nakamotoولهذا السبب قد تكون أصبحت عملة خيار شراء عبر الإنترنت لكثير من الأدوية والمخدرات وغيرها من الأنشطة غير المشروعة. وللمعلوم ان ال Bitcoins مخزنة في محافظ رقمية توجد على كمبيوتر المستخدم وتعتبر نوعا من الحسابات المصرفية الافتراضية التي تتيح للمستخدمين إرسال وتلقي الـ bitcoin دفع او ادخار الأموال وبخلاف الحسابات المصرفية لا يوجد لها تأمين على الودائع.
لذلك وبالمطلق تعتبر عملية مقامرة بالتصنيف الفعلي لها، وعرضة لمخاطر عديدة سيما تقلبات أسعارها بشكل سريع وفجائي. وللعلم كان البنك المركزي اللبناني صريحاً في هذا المجال من خلال إصداره التحذير يوم ١٩ كانون الأول ٢٠١٣ معدّداً المخاطر العديدة المرتبطة بهذه العملة الرقمية، ومشيراً الى وجوب تجنّب المخاطر التي قد تنم عن استخدام الأموال الإلكترونية ومن ضمن هذه التحذيرات:
١- المعاملات التي تتم عبر شبكات غير منظمة لا يمكن ضمان استرداد خسائرها.
٢- العملات الرقمية يمكن استخدامها لأنشطة إجرامية بما في ذلك غسل الأموال والإرهاب.
لهكذا أسباب وغيرها مثل تحويل الودائع من اللبنانيين في الخارج والتي هي معفاة من اي رسوم مما يجعل عملية التحويل أرخص وقد تكون عامل إغراء للكثير من الأفراد. والإشعار الصادر بحظر المؤسسات المالية من إستخدام هذا النوع الجديد من التبادل (ليست بعملة) لا يأتي على ذكر المواطنين العاديين مما يبقي الأمور معلقة وغير واضحة. اما بالنسبة لباقي الدول العالم فإن روسيا تسعى الى منع استخدامها، والصين أعلنت انها حظرتها، وألمانيا قالت انها غير قانونية.
ويبقى السبب الأساسي انها تشكل بعض التحديات للنظام المصرفي العالمي وأنها ان لم تُنظم بشكل واسع قد تستخدم لأغراض غير مشروعة. لذلك هنالك قلق واسع ازاء ال bitcoin وإمكانية تأثيرها على العملات الوطنية لاسيما من ناحية إساءة الإستعمال والآثار المرتقبة على استخدام الضرائب.
يبقى السؤال ما هي المتطلبات اللازمة لضمان حماية المستهلك والمدخر من عمليات وهمية خلقت من العدم وليس لها ضوابط وأصول ومتقلبة بشكل يجعل من مستعمليها مقامرين بأموالهم ومدخراتهم. وفي النهاية، العملة ثقة، والتغطية الذهبية او بالعملات الأجنبية قد تكون أصبحت قليلة لكنها كفيلة بحماية المستهلك والمدخر والنظام المصرفي والسياسة المصرفية.


