واصلت أسعار العقارات في السعودية تسجيل تراجعها للربع الثاني على التوالي، في ظل مؤشرات واضحة على أن السياسات الحكومية الهادفة إلى كبح التضخم العقاري وزيادة المعروض بدأت تنعكس فعلياً على السوق، خصوصاً في العاصمة الرياض.
ووفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء، شهدت الأسعار السكنية – وهي المكوّن الأكبر في مؤشر العقارات – انخفاضاً بنسبة 3.6% على أساس سنوي خلال الربع الأول، مقارنة بتراجع قدره 2.2% في الربع السابق، ما يشير إلى تسارع واضح في وتيرة الهبوط. وجاء هذا التراجع مدفوعاً بانخفاض أسعار الأراضي السكنية بنفس النسبة تقريباً، ما يعكس امتداد الضغوط إلى مختلف شرائح السوق العقاري.
في الرياض، التي تُعد المحرك الرئيسي لسوق العقارات في المملكة، تسارعت وتيرة الانخفاض لتصل إلى 4.4% خلال الربع الأول، مقابل 3% في الربع السابق، وهو أعلى تراجع منذ عام 2022. ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة، نظراً لدور العاصمة كمرجع سعري ونفسي للسوق العقارية في السعودية، ما يجعل أي تغير فيها مؤثراً على توجهات المستثمرين والمطورين والمشترين حسب اقتصاد الشرق مع بلومبيرغ.
كما شهدت أسعار الفلل، التي كانت أكثر استقراراً خلال السنوات الماضية، انخفاضاً حاداً بنسبة 6.1%، وهو أكبر تراجع منذ بداية 2022، ما يعكس دخول شرائح جديدة من السوق في مرحلة تصحيح سعري أوسع.
ولم تقتصر التراجعات على الرياض، إذ سجلت مكة المكرمة انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.7% رغم موسم رمضان والعمرة، بينما تراجعت الأسعار في المدينة المنورة بنسبة 5%، وفي منطقة القصيم بنسبة 5.1%، ما يشير إلى اتجاه عام نحو التهدئة في عدة مناطق رئيسية.
في المقابل، شهدت المنطقة الشرقية أداءً مختلفاً، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 6.9%، مسجلة أعلى نمو منذ منتصف 2022، وهو ما يعكس تبايناً إقليمياً واضحاً بين مناطق تمر بمرحلة تصحيح وأخرى لا تزال مدعومة بطلب محلي قوي.
تقرؤون أيضاً:أغلى المدن في الشرق الأوسط من حيث أسعار العقارات في عام 2026.. بيروت الأغلى وجدة الأرخص
ويعكس هذا التباين أن السوق العقاري في السعودية لا يشهد تراجعاً شاملاً، بل إعادة توازن بين العرض والطلب، حيث تدخل بعض المناطق مرحلة تصحيح بعد موجات ارتفاع قوية، بينما تحافظ مناطق أخرى على زخمها.
على صعيد السياسات، كثفت الحكومة السعودية خلال الفترة الماضية إجراءاتها لتنظيم السوق العقارية، من خلال زيادة المعروض السكني وتسهيل تطوير الأراضي، خصوصاً في شمال الرياض، عبر فتح مناطق جديدة للتطوير على مساحة تتجاوز 81 كيلومتراً مربعاً، ضمن خطة تهدف إلى توفير عشرات آلاف القطع السكنية سنوياً بأسعار مدروسة.
كما تم تشديد الرسوم على الأراضي البيضاء ورفع نسبتها بشكل مرن لتصل إلى 10% سنوياً، مع توسيع نطاقها لتشمل العقارات الشاغرة، في خطوة تهدف إلى الحد من الاكتناز العقاري وتحفيز ضخ الأراضي والوحدات غير المطورة في السوق.
وتشير هذه الإجراءات مجتمعة إلى تحول في فلسفة إدارة السوق العقارية، يقوم على زيادة المعروض، تقليل المضاربة، وإعادة ضبط الأسعار تدريجياً، وهو ما بدأت نتائجه تظهر بوضوح في أرقام الربع الأول من العام.

