للمرة الثالثة على التوالي، أصدر مصرف سوريا المركزي قراراً بتمديد مهلة استبدال الفئات النقدية القديمة، في خطوة تعكس استمرار التحديات التي تواجه عملية سحب العملة المتداولة منذ سنوات واستبدالها بالإصدارات الجديدة.
ويأتي هذا التمديد وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة المصرف المركزي على استكمال العملية ضمن المواعيد المعلنة، ومدى تأثير ذلك على ثقة المواطنين بالعملة الوطنية والنظام المصرفي، في ظل تحديات لوجستية وتنظيمية لا تزال تلقي بظلالها على القطاع المالي في البلاد.
أكثر من 63% من عملية الاستبدال أُنجزت
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، أن نسبة استبدال الفئات النقدية القديمة تجاوزت 63% على مستوى سوريا، مشيراً إلى أن العملية تسير بوتيرة متقدمة مقارنة بالمراحل السابقة.
وأوضح رسلان أن هذا التقدم جاء نتيجة تعاون المواطنين مع المصارف والمؤسسات المالية، داعياً جميع المصارف وشركات الصرافة والحوالات إلى الامتناع عن إعادة ضخ الفئات القديمة في السوق خلال الفترة المتبقية من المهلة، والالتزام بتسليم الليرة السورية الجديدة حصراً في جميع عمليات السحب والتداول النقدي.
وأكد أن المصرف المركزي مستمر في توفير الكميات المطلوبة من العملة الجديدة لتلبية احتياجات المواطنين والقطاع المالي، تمهيداً لاعتمادها كعملة متداولة بشكل حصري بعد انتهاء المهلة المحددة.
أربعة أسباب وراء التمديد المتكرر
وحسب موقع تلفزيون سوريا يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن قرار التمديد للمرة الثالثة يعود إلى أربعة عوامل رئيسية.
ويأتي في مقدمة هذه الأسباب ضعف القدرات اللوجستية لدى بعض فروع المصرف المركزي والمصارف التجارية، إضافة إلى ظهور كميات جديدة من العملة القديمة لدى التجار ومؤسسات الصرافة بعد كل تمديد، ما يشير إلى وجود كتلة نقدية لم يتم حصرها بشكل دقيق.
كما تلعب الاعتبارات الاجتماعية دوراً مهماً، بحسب محمد، إذ تسعى الحكومة إلى تجنب حرمان المواطنين في المناطق الريفية والنائية من فرصة استبدال مدخراتهم، إلى جانب الحاجة لتوفير كميات كافية من العملة الجديدة وضمان وصولها إلى مختلف المناطق دون التأثير على حركة الأسواق.
كيف يمكن تقييم نجاح عملية الاستبدال؟
وأوضح الدكتور عبد الرحمن محمد أن نجاح عملية سحب العملة القديمة يُقاس من خلال عدة مؤشرات، أبرزها نسبة الأوراق النقدية المسحوبة مقارنة بإجمالي الكتلة النقدية المستهدفة، ومدى انتشار العملة الجديدة في الأسواق وقبولها من قبل المواطنين والتجار.
وأضاف أن تراجع تداول الفئات القديمة واختفائها تدريجياً من المعاملات اليومية يعد مؤشراً مهماً على نجاح الخطة، إلى جانب انخفاض الشكاوى المرتبطة بعمليات الاستبدال أو رفض بعض الفئات النقدية.
ويرى محمد أن استمرار تداول العملة القديمة بشكل واسع رغم التمديدات المتتالية يثير تساؤلات حول مدى فاعلية الإجراءات الحالية في تحقيق أهدافها ضمن الإطار الزمني المحدد.
هل تتراجع الثقة بالليرة السورية؟
بحسب الدكتور عبد الرحمن محمد، فإن التمديد المتكرر قد يترك آثاراً سلبية على ثقة المواطنين بالسياسة النقدية، إذ يمكن أن يرسخ لدى البعض انطباعاً بأن المصرف المركزي يواجه صعوبات في تنفيذ خططه أو أن التقديرات الأولية لحجم الكتلة النقدية لم تكن دقيقة بالشكل الكافي.
وأشار إلى أن هذا الواقع قد يدفع بعض المواطنين إلى الاحتفاظ بالعملات الأجنبية أو الأصول الأخرى باعتبارها أدوات أكثر استقراراً، كما يشجع حالة من التريث في استبدال العملة القديمة بانتظار تمديدات جديدة محتملة.
وأضاف أن تراجع الثقة ينعكس أيضاً على القطاع المصرفي من خلال انخفاض الودائع بالليرة السورية وزيادة الاعتماد على التداول النقدي المباشر خارج القنوات المصرفية.
تأثيرات على سعر الصرف والسوق الموازية
ولفت الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن التمديدات المتكررة قد تؤثر على توقعات الأسواق بشأن التضخم وسعر الصرف، إذ ينظر بعض المتعاملين إلى عدم القدرة على سحب كامل الكتلة النقدية القديمة باعتباره مؤشراً على وجود سيولة أكبر من التقديرات المعلنة.
وأوضح أن هذا الأمر يؤدي غالباً إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية كوسيلة للتحوط، ما يمنح السوق الموازية زخماً إضافياً ويزيد من الضغوط على الليرة السورية.
كما أشار إلى أن بعض المضاربين يستفيدون من تمديد المهلة عبر شراء العملة القديمة من المواطنين بأسعار منخفضة ثم استبدالها لاحقاً، محققين أرباحاً على حساب أصحاب المدخرات الصغيرة.
هل يقترب التمديد الرابع؟
ويتوقع الدكتور عبد الرحمن محمد بنسبة تتجاوز 70% صدور تمديد رابع لمهلة استبدال العملة، مرجعاً ذلك إلى استمرار الفجوات في توزيع العملة الجديدة وبقاء كميات من الفئات القديمة خارج الدورة المصرفية، لا سيما في بعض المناطق البعيدة عن المراكز المالية الرئيسية.
كما أشار إلى أن فئة الـ2000 ليرة السورية تمثل تحدياً إضافياً، كونها من أكثر الفئات استخداماً في التعاملات اليومية، في حين لا يتوافر بديل مماثل لها ضمن الإصدارات الجديدة، ما قد يفرض على الجهات المعنية البحث عن حلول إضافية لضمان استقرار الحركة النقدية في الأسواق.
الحاجة إلى خطة نقدية أكثر وضوحاً
وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن نجاح عملية استبدال العملة لا يرتبط فقط بتمديد المهل الزمنية، بل يتطلب رؤية نقدية واضحة تقوم على الشفافية وتوفير البيانات الدقيقة للمواطنين، إلى جانب تعزيز التعاون بين مصرف سوريا المركزي والقطاع المصرفي لضمان تنفيذ العملية بكفاءة.
وختم بالقول إن استمرار النهج الحالي دون معالجة العقبات القائمة قد يؤدي إلى تمديدات إضافية مستقبلاً، ما يضعف الأثر المتوقع من عملية الاستبدال ويجعل المواطن غير قادر على ملاحظة تحسن حقيقي في استقرار الليرة السورية أو قوتها الشرائية.

