تدخل عملية استبدال العملة السورية مرحلة حاسمة مع اقتراب انتهاء المهلة النهائية التي حددها مصرف سوريا المركزي، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم الكتلة النقدية وتعزيز كفاءة إدارة السيولة، وسط ترقب واسع لتأثيراتها على الاستقرار النقدي والنشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن استبدال العملة يمثل إحدى أهم أدوات الإصلاح النقدي، لما يتيحه من تحسين إدارة الكتلة النقدية ورفع فعالية السياسة النقدية، إلا أن نجاح المرحلة الأخيرة يبقى مرتبطاً باستكمال النسبة المتبقية من العملية، إلى جانب تطبيق سياسات اقتصادية ومالية متكاملة تدعم أهدافها.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان قد أعلن أن نسبة الإنجاز في عملية الاستبدال بلغت نحو 80% من إجمالي العملة المستهدفة، واصفاً العملية بالناجحة، ومؤكداً أنها أسهمت في تعزيز الثقة بالنظام النقدي.
وانطلقت عملية استبدال العملة مطلع عام 2026، استناداً إلى التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم (293) لعام 2025 الخاص باستبدال العملة الوطنية، حيث مُنحت مهلة أولية مدتها 90 يوماً، مع إمكانية تمديدها بقرار من حاكم مصرف سوريا المركزي عند الحاجة.
وخلال الأشهر الماضية، أصدر المصرف المركزي ثلاثة قرارات متتالية بتمديد المهلة، كان آخرها اعتباراً من الأول من تموز 2026 لمدة 30 يوماً، لتصبح المهلة النهائية سارية حتى 30 تموز 2026.
وأكد المصرف المركزي أن العملة القديمة ستبقى صالحة للتداول وتمتلك قوتها الإبرائية الكاملة حتى نهاية المهلة المحددة، ويمكن استخدامها في عمليات الدفع وتسوية الالتزامات المالية، إضافة إلى إمكانية استبدالها عبر النقاط الرسمية المعتمدة.
وأوضح المصرف أن انتهاء فترة التداول لا يعني سقوط حق المواطنين في استبدال العملة القديمة، إذ ستستمر عمليات السحب والاستبدال لدى مصرف سوريا المركزي لمدة خمس سنوات، وفق آليات تنظيمية سيتم الإعلان عنها لاحقاً.
المرحلة الأكثر أهمية
تمثل الأسابيع الأخيرة من المهلة الحالية محطة مفصلية في عملية الاستبدال، إذ لا تزال نحو 20% من الكتلة النقدية خارج القنوات الرسمية، بينما يواصل المصرف المركزي تنفيذ العملية وفق إجراءات أكثر تنظيماً استعداداً لإغلاق ملف الاستبدال.
وتُظهر البيانات الرسمية تطوراً تدريجياً في نسب الإنجاز، إذ ارتفعت من نحو 35% في المراحل الأولى، إلى 56%، ثم تجاوزت 66%، قبل أن تصل إلى قرابة 80% وفق أحدث الأرقام المعلنة.
ماذا يعني الوصول إلى 80%؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد عبد الرزاق الضحيك في تصريحات لصحيفة الثورة السورية أن بلوغ هذه النسبة يعكس تقدماً واضحاً في تنفيذ أحد أبرز مشاريع الإصلاح النقدي، موضحاً أن إدخال الجزء الأكبر من الكتلة النقدية إلى القنوات الرسمية يمنح مصرف سوريا المركزي أدوات أكثر فاعلية لإدارة السيولة وتنفيذ السياسة النقدية.
وأشار، في تصريحات لصحيفة الثورة السورية، إلى أن الكتلة النقدية تقدر بنحو 14 مليار قطعة نقدية، بقيمة تقارب 42 تريليون ليرة قديمة، أي ما يعادل 420 مليار ليرة جديدة، لافتاً إلى أن استبدال نحو 80% منها يعزز قدرة المصرف المركزي على تنظيم السوق والحد من الفوضى النقدية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
انعكاسات اقتصادية متوقعة
وبحسب الضحيك، فإن إعادة تنظيم الكتلة النقدية يمكن أن تنعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي من خلال زيادة الشفافية، وتحسين حركة الأموال، وتعزيز الثقة لدى المستثمرين والمنتجين والمتعاملين في الأسواق.
وفيما يتعلق بالتضخم، أوضح أن امتصاص جزء من السيولة المتداولة خارج النظام المصرفي قد يخفف الضغوط التضخمية تدريجياً، شريطة أن يترافق ذلك مع سياسات مالية ونقدية منضبطة وإصلاحات اقتصادية داعمة.
أما على صعيد سعر الصرف، فأشار إلى أن ضبط الكتلة النقدية قد يسهم في تقليص الطلب المضاربي على العملات الأجنبية، ما يدعم استقرار سعر الصرف، لكنه أكد أن هذا الأثر يبقى مرتبطاً بعوامل أخرى، أبرزها توفر القطع الأجنبي، وتحسن ميزان المدفوعات، واستقرار السياسات الاقتصادية.
تحديات المرحلة الأخيرة
ورغم التقدم المحقق، لا تزال هناك تحديات أمام استكمال استبدال النسبة المتبقية من العملة، أبرزها محدودية الشمول المالي، وانخفاض نسبة المتعاملين مع المصارف، إضافة إلى تخوف بعض المواطنين من إدخال مدخراتهم إلى القنوات الرسمية، فضلاً عن وجود صعوبات لوجستية في الوصول إلى بعض المناطق.
ويرى الضحيك أن نجاح المرحلة الأخيرة يتطلب توسيع الخدمات المصرفية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، وتبسيط إجراءات الاستبدال، إلى جانب تطوير وسائل الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
ويخلص إلى أن استبدال العملة يمثل خطوة مهمة في مسار الإصلاح النقدي، لكنه لن يكون كافياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ما لم يترافق مع إصلاحات مالية واقتصادية أوسع تشمل دعم الإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار، وضبط العجز المالي، بما يعزز التعافي الاقتصادي ويعيد الثقة بالعملة الوطنية على المدى الطويل.


