قدّم حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، رؤية واضحة لأسباب الأزمة الاقتصادية في لبنان، معتبراً أن ما يبدو تعقيداً في المشهد المالي هو نتيجة طبيعية لسنوات من السياسات غير المنضبطة وسوء إدارة النقد، إلى جانب توظيف غير مدروس لودائع المواطنين داخل القطاع المصرفي.
وفي مقال نشره في فايننشال تايمز، أشار سعيد إلى أن جذور الانهيار تعود إلى غياب الانضباط المالي وتراكم الاختلالات في السياسة النقدية، إضافة إلى تركز المخاطر داخل النظام المصرفي، مؤكداً أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بتشخيص دقيق وشامل للأزمة.
وأوضح أن الإجراءات الحكومية الأخيرة أظهرت بعض التحسن في المؤشرات المالية، بدعم من زيادة الإيرادات الضريبية وضبط الإنفاق، إلا أنه شدد على أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي
وفي ما يخص معالجة الأزمة المصرفية، أكد سعيد أن خطة مصرف لبنان تقوم على مبدأ توزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية، قبل الشروع في إعادة بناء القطاع، مع إعطاء أولوية لحماية صغار المودعين الذين يشكلون النسبة الأكبر من الحسابات.
وأشار إلى أن استعادة عافية النظام المصرفي تتطلب معالجة جذرية، سواء عبر ضخ رؤوس أموال جديدة أو تقليص حجم القطاع بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، محذراً من أن الحلول الجزئية قد تؤدي إلى إطالة أمد الأزمة.
تحديات الثقة والاقتصاد النقدي
وتطرق سعيد إلى توسع الاقتصاد النقدي في لبنان، معتبراً أنه نتيجة مباشرة لفقدان الثقة بالمؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحدياً أمام جهود الدولة في تحصيل الإيرادات وتحفيز النمو، فضلاً عن مخاطره المرتبطة بالاقتصاد غير المنظم.
وشدد على أن استعادة الثقة بالنظام المصرفي الرسمي تُعد شرطاً أساسياً لإعادة دمج النشاط الاقتصادي ضمن القنوات النظامية، بالتوازي مع دعم المسارات القضائية لمحاسبة المسؤولين عن المخالفات واسترداد أموال المودعين.
آفاق التعافي الاقتصادي
وفي تقييمه للمستقبل، رأى سعيد أن لبنان يمتلك مقومات استعادة دوره كمركز إقليمي في قطاعات التعليم والصحة والخدمات المالية والتجارة، لكنه حذر من أن التوترات الأمنية والنزاعات تبقى عاملاً معيقاً لأي إصلاح اقتصادي.
وأكد أن أولويات المصرف المركزي تتركز على استقرار العملة، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، والعمل على إعادة أموال المودعين بشكل تدريجي، رغم التحديات المالية الكبيرة.
كما لفت إلى أهمية دور صندوق النقد الدولي في دعم مسار الإصلاح، مشيراً إلى أن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق قد يشكل نقطة تحول أساسية لوضع الاقتصاد اللبناني على طريق التعافي.
لبنان ينفي اتفاق تمويل طارئ مع صندوق النقد ويؤكد استمرار المفاوضات مع البنك الدولي
وختم سعيد بالتأكيد على أن أمام المجتمع الدولي خيارين واضحين: دعم الإصلاحات الجادة الآن، أو تأجيل المساندة مع ما يحمله ذلك من مخاطر تعمّق الأزمة، مشدداً على أن الوقت لم يعد يسمح بالمماطلة في معالجة التحديات الاقتصادية.

