رغم خروج سوريا من قائمة الدول العشر الأقل دخلاً عالمياً بعد أن احتلت المرتبة الحادية عشرة في تصنيف البنك الدولي لعام 2026، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بشكل ملموس على حياة معظم السوريين، إذ لا تزال شريحة واسعة من الأسر تواجه ظروفاً معيشية قاسية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وخلال السنوات الماضية، تغيرت أولويات الإنفاق لدى العائلات السورية بشكل جذري، فلم يعد الادخار أو التخطيط للمستقبل خياراً متاحاً لكثيرين، بل باتت الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية اليومية من غذاء وسكن ومستلزمات المعيشة، في مشهد يصفه خبراء بـ”اقتصاد البقاء”.
ومع تراجع قيمة الدخل، أصبحت التحويلات المالية من الخارج شريان حياة لعدد كبير من الأسر، في حين اضطرت عائلات كثيرة إلى الاعتماد على أكثر من مصدر دخل، واللجوء إلى الشراء بالدين، إضافة إلى دخول النساء سوق العمل أو إطلاق مشاريع منزلية صغيرة للمساهمة في تغطية النفقات وفقاً لتقرير الذي نشره موقع تلفزيون سوريا.
ما المقصود باقتصاد البقاء؟
يوضح الإعلامي والمحلل الاقتصادي عدنان عبد الرزاق أن اقتصاد البقاء يعني وصول الأسرة إلى مستوى دخل يتيح لها تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى والشراب، دون القدرة على تغطية نفقات أخرى كالتعليم والصحة والنقل أو تحسين مستوى المعيشة.
ويشير إلى أن تقديرات المؤسسات الدولية تضع نسبة الفقر في سوريا عند نحو 90%، وهو ما أدى إلى تغييرات عميقة في أنماط الاستهلاك، إذ اضطرت الكثير من الأسر إلى الاستغناء عن سلع كانت تُعد ضرورية سابقاً، كما ظهرت عادات غذائية واستهلاكية جديدة فرضتها الظروف الاقتصادية.
ويرى عبد الرزاق أن آثار هذا التحول لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية والنفسية، خاصة لدى الأطفال، نتيجة سوء التغذية والحرمان، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على المجتمع من خلال ارتفاع المشكلات الاجتماعية والسلوكية وتراجع الإنتاجية.
ويحذر من أن استمرار الأسر في الاعتماد على استراتيجيات النجاة الحالية قد ينعق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤثر سلباً في مستوى التعليم والصحة والقدرة على الإبداع، مؤكداً أن توفير فرص العمل وتحقيق الحد الأدنى من الكفاية مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة.
كيف يمكن الانتقال إلى اقتصاد الاستقرار؟
بحسب عبد الرزاق، فإن الخروج من اقتصاد البقاء يتطلب رفع مستويات الإنتاج والعمل، وتحسين إدارة الدخل، وترشيد الاستهلاك، بما يساعد الأسر على تحقيق فائض مالي تدريجياً.
لكنه يشدد على أن جهود الأفراد وحدها ليست كافية، إذ تحتاج هذه المرحلة إلى بيئة اقتصادية مستقرة توفر فرص العمل والاستثمار والدعم الاجتماعي، بما يفتح الباب أمام انتقال الاقتصاد من مرحلة تأمين الاحتياجات الأساسية إلى مرحلة الاستقرار والنمو.
كما يلفت إلى أن التضخم يمثل أحد أخطر التحديات، لأنه يؤدي إلى تآكل قيمة الأجور والمدخرات، ويضعف القوة الشرائية، ويدفع المستهلكين إلى سلوكيات استهلاكية غير مستقرة مثل الشراء بدافع الخوف من ارتفاع الأسعار، وهو ما يعزز الاعتماد على اقتصاد البقاء.
اقتصاد الظل… ضرورة أم تحدٍ؟
وفي ما يتعلق بالاقتصاد غير الرسمي، يرى عبد الرزاق أنه ينتشر عادة في الدول التي تعاني الفقر أو ارتفاع الضرائب، ورغم سلبياته المتعلقة بضعف الرقابة والجودة، فإنه أدى في الحالة السورية دوراً في توفير بعض احتياجات السوق، والحد من الاستيراد، وتأمين فرص عمل لفئات واسعة.
من جانبه، يقول الصحفي الاقتصادي علي حمرا إن الاقتصاد السوري خلال سنوات الأزمة شهد تراجعاً حاداً في الإنتاج والاستثمار، بينما أصبحت التحويلات الخارجية مصدراً رئيسياً لدعم دخل كثير من الأسر، لكنها لم تكن كافية لإحداث استقرار اقتصادي مستدام.
ويضيف أن تعطل قطاعات الإنتاج والصناعة والزراعة سمح بتوسع اقتصاد الظل على حساب الاقتصاد الرسمي، ما أدى إلى غياب الشفافية وارتفاع مستويات الفساد، مؤكداً أن هذا النوع من الاقتصاد قد يحافظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي، لكنه لا يشكل بديلاً حقيقياً عن الاقتصاد المنظم.
ويختتم حمرا بالتأكيد على أن الواقع المعيشي في سوريا تجاوز مفهوم الأزمة الاقتصادية إلى تحدٍ اجتماعي واسع، موضحاً أن استمرار “اقتصاد البقاء” سيصبح أمراً دائماً ما لم تُتخذ إجراءات سريعة لدعم إعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمارات، وتنشيط القطاع الخاص، وخلق فرص عمل جديدة، بما ينعكس على تحسين الدخول ورفع معدلات النمو الاقتصادي.


