تدخل البنوك السعودية النصف الثاني من 2026 في وضع تمويلي أكثر ملاءمة، مع نمو الودائع بوتيرة تتجاوز الائتمان وتحسن قدرة المصارف على تسعير قروض الشركات، ما يرجح استمرار تحسن الهوامش خلال الفترة المقبلة، وفق تحليل لـ«بلومبرج إنتليجنس».
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من نمو الائتمان بوتيرة سريعة، فرضت على البنوك البحث عن مصادر تمويل إضافية لمواكبة الطلب، فيما يوفر تحول المعادلة حالياً مساحة أكبر لإدارة تكلفة الأموال وتحسين العائد على الأصول. وارتفعت عوائد الأصول بنحو 5 نقاط أساس في الربع الثاني، بالتزامن مع تراجع الضغوط المرتبطة بالسيولة.
الودائع تتقدم على الإقراض
نما الائتمان المصرفي بنحو 4% خلال النصف الأول من 2026، مقابل زيادة قدرها 6% في الودائع، بفارق يقارب 200 نقطة أساس لمصلحة نمو السيولة، بحسب «بلومبرج إنتليجنس».
ويرى إدموند كريستو، كبير المحللين في «بلومبرج إنتليجنس»، أن البنوك أصبحت أكثر انتقائية في منح الائتمان، مع تركيز أكبر على العملاء من الشركات ذات الجودة الائتمانية الجيدة وتحسين تسعير القروض.
وتنسجم هذه الصورة مع بيانات القطاع المصرفي خلال الربع الثاني؛ إذ ارتفعت ودائع البنوك المدرجة بنحو 9% على أساس سنوي إلى 3.15 تريليون ريال، مقابل نمو صافي القروض بنحو 7% إلى 3.25 تريليون ريال، وفق تحليل «الراجحي كابيتال». كما تحسن صافي هامش الفائدة إلى 2.96%، بزيادة 5 نقاط أساس على أساس سنوي.
وعلى مستوى القطاع المصرفي ككل، أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي «ساما» ارتفاع الائتمان إلى نحو 3.42 تريليون ريال بنهاية حزيران 2026، بزيادة سنوية بلغت 7.3%، مقابل ارتفاع الودائع إلى نحو 3.13 تريليون ريال، بنمو 8.9%. وتستخدم هذه البيانات نطاقاً مختلفاً عن بيانات البنوك المدرجة، لذلك لا تجري مقارنتها مباشرة بأرقام «الراجحي كابيتال».
تحسن الهوامش مع إعادة تسعير القروض
تتوقع «بلومبرج إنتليجنس» أن تستفيد البنوك السعودية خلال النصف الثاني من تحسن الإيرادات التشغيلية والهوامش، مدفوعة بتحسن تسعير قروض الشركات وتراجع بعض ضغوط السيولة.
وساعد تقلص الفارق بين سعر الفائدة المعروض بين البنوك السعودية «سايبور» ومعدل التمويل المضمون لليلة واحدة «سوفر» في تخفيف ضغوط السيولة، في وقت بدأت فيه البنوك الاستفادة من تحسن العلاقة بين نمو الودائع ونمو الائتمان.
ولا يقتصر التحسن على الهوامش؛ فقد أظهرت نتائج البنوك السعودية المدرجة للربع الثاني ارتفاع صافي دخل الفوائد بنسبة 8.9% على أساس سنوي، بينما ارتفع هامش صافي الفوائد 6 نقاط أساس، بحسب «الجزيرة كابيتال». كما ارتفعت أرباح القطاع المصرفي المدرج 8.2% إلى 24.9 مليار ريال خلال الربع.
نمو القروض يتجه إلى وتيرة أكثر استدامة
يتوقع كريستو نمو قروض القطاع المصرفي السعودي بنحو 9% إلى 10% خلال 2026، معتبراً أن هذه الوتيرة أكثر استدامة من سيناريو نمو القروض بين 15% و16% مقابل زيادة للودائع قرب 10%.
ويعكس ذلك تحولاً في استراتيجية المصارف من مطاردة نمو أحجام القروض إلى التركيز بدرجة أكبر على العائد وجودة الأصول. وقد خفّض عدد من أكبر البنوك السعودية بالفعل مستهدفاته لنمو القروض خلال 2026، وفق تحليل «الراجحي كابيتال»، في وقت تجاوز فيه نمو الودائع نمو الإقراض للربع الثاني على التوالي.
وخلال السنوات الماضية، أدى نمو القروض بوتيرة تفوق الودائع إلى زيادة اعتماد البنوك على أدوات الدين ومصادر التمويل الخارجية لتلبية الطلب على الائتمان، وهو ما جعل إدارة السيولة وتكلفة الأموال عاملاً أكثر أهمية في تحديد ربحية القطاع.
فجوة التمويل تخف تدريجياً
في مطلع 2025، ارتفعت قروض القطاع الخاص 14% على أساس سنوي إلى 2.89 تريليون ريال، مقابل نمو الودائع بنسبة 9.2% إلى 2.73 تريليون ريال، ما دفع «بلومبرج إنتليجنس» حينها إلى وصف السيولة بأنها «شحيحة»، مع استمرار توافر التمويل اللازم للنشاط الائتماني.
لكن المعادلة بدأت تتغير خلال 2026. وبحلول حزيران، بلغت القروض الممنوحة للقطاع الخاص والجهات الحكومية غير المالية نحو 3.53 تريليون ريال، بزيادة سنوية قدرها 7%، فيما ارتفعت ودائع البنوك إلى نحو 3.15 تريليون ريال وفق بيانات القطاع المصرفي المدرج. وتؤكد بيانات «ساما» أيضاً نمو الودائع بوتيرة أعلى من الائتمان خلال الفترة نفسها.
ويعني ذلك أن الضغط الناتج عن فجوة التمويل بدأ بالتراجع نسبياً، وإن كان الطلب على الائتمان لا يزال مرتفعاً في ظل احتياجات الاقتصاد السعودي وتمويل المشاريع والاستثمارات.
المخصصات تعود إلى واجهة المخاطر
في المقابل، لا ترى «بلومبرج إنتليجنس» أن تحسن الإيرادات والهوامش يلغي المخاطر المرتبطة بجودة الأصول. ويرجح كريستو زيادة مخصصات خسائر الائتمان، ربما خلال النصف الثاني من العام أو مطلع 2027، في ظل مخاطر مرتبطة بجودة الأصول وإلغاء أو ترشيد بعض المشاريع.
وتقدر قروض المشاريع بنحو 200 مليار ريال، أو ما يعادل 6% من الميزانيات العمومية للبنوك، فيما تم تجميد 16% من المشاريع، وفق تقديرات «بلومبرج إنتليجنس».
ويأتي هذا الاحتمال في وقت ارتفعت فيه المخصصات بالفعل خلال الربع الثاني؛ إذ سجلت زيادة بنسبة 33.5% لدى البنوك السعودية العشرة المدرجة، بينما ارتفعت تكلفة المخاطر إلى 31 نقطة أساس. في المقابل، تحسن معدل القروض المتعثرة إلى 1% وارتفعت نسبة التغطية إلى 140.3%، بحسب «الجزيرة كابيتال».
ويرى كريستو أن ترشيد المشاريع قد يقود مستقبلاً إلى تقليل الاعتماد على البنوك المحلية وزيادة الاعتماد على البنوك الدولية، في ظل حجم الاحتياجات التمويلية المرتبطة بالمشاريع السعودية.
وتقدر «بلومبرج إنتليجنس» الإنفاق على المشاريع في المملكة بنحو 660 مليار دولار خلال خمس سنوات.
